
ما وراء الزجاج
*التقرير الأممي .. حين انتصر الإعلام الغربي للضمير.. وتواطأ العربي على التزييف والتضليل
بقلم : هجو احمد محمد
لم يكن تقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة مجرد (وثيقة روتينية) ترفع إلى مجلس الأمن بل كان اختبارا حقيقيا لمدى التزام المؤسسات الصحفية بمسؤولياتها المهنية والأخلاقية واختبار لقدرة الصحافة على الصمود أمام (إغراءات المال) و(النفوذ) وحدود (السرديات) التي أُنتجت بعناية فائقة لإخفاء الحقائق وتشويهها في حرب السودان
وقد كشفت النتائج عن انقسام واضح ففي حين انتصر (إعلام غربي) التزم بالمنهج المهني الأخلاقي العلمي والتوثيق الدقيق سلك إعلام عربي آخر طريق التزييف والتضليل والتعبئة الإعلامية تاركا (رواية الحرب) في السودان تتشكل خارج سياقها الحقيقي
من الإنصاف تسجيل شهادة تقدير للمؤسسات الصحفية التي آثرت الالتزام بالحقيقة رغم الضغوط الهائلة إن مواجهة دولة مثل (الإمارات ) تمتلك أدوات النفوذ والإغراق الإعلاني ثم الإصرار على نشر تحقيق مدان بالاسم والأرقام هو جوهر الرسالة الصحفية النبيلة.
وهذا ما أنجزته وكالة (رويترز ) حين أمضت (21 يوما) في تحقيق استقصائي متواصل دون مساومة أو تراجع رغم الضغوط وتتبعت مسارات الطيران حللت صور الأقمار الصناعية دققت عقود الشركات واستمعت لأكثر من (40 مصدرا) لتكشف عن (جسر جوي) يربط بين بوساسو والكفرة ونيالا وتحصي نحو ألفي متعاقد كولومبي يديرون منظومات مسيرات متطورة.
والأمر نفسه فعلته (شبكة CNN) حين وصفت ما جرى في (الفاشر) بأنه يحمل (سمات الإبادة الجماعية) كما فعل مراسلو (BBC) بوضع شهادات الناجين في صلب تغطيتهم.
كان بإمكان هذه المؤسسات اختيار الصمت أو المسايرة لكنها فضلت الانحياز للحقيقة وقيم الإنسانية مدركة أن توثيق الجريمة واجب حتى لو كان مرتكبها يمتلك نفوذاً ومالاً.
واللافت أن (التقرير الأممي) نفسه اعترف بهذه الجهود ضمنا فقد تطابقت تفاصيله وتوصيفاته مع ما سبق أن نشرته هذه المؤسسات وعند سؤال عضوة اللجنة (مونا رشماوي) في (BBC ) عن مصادرهم أوضحت أن اللجنة اعتمدت على كل المصادر المتاحة بما فيها (التحقيقات الصحفية الموثقة) إلى جانب الشهادات الميدانية وهكذا لم تكن الصحافة الغربية مجرد ناقلة للحدث بل شريكاً في بناء الدليل الذي استند إليه القرار الدولي.
الإعلام العربي المتواطئ وصناعة السردية المضللة
في الجانب الآخر كان المشهد مختلفا جذريا فجزء مؤثر من (الإعلام العربي) لم يتعامل مع الحرب في السودان بوصفها مأساة إنسانية تستوجب التوثيق بل تعامل معها كمعركة سرديات ينبغي حسمها لصالح جهة ذات نفوذ ومال وجهات سياسية أخرى.
*على مدار أعوام ، روج هذا الإعلام لمقولات ثلاث متكررة:*
· الأولى: أن ما يحدث (صراع داخلي) بين (طرفي صراع ) وصور الأمر كان لا دخل لأحد فيه من دول الإقليم بما فيها (الإمارات) .
· الثانية: كما أنه رسخ لسردية (تساوي الطرفين ) مابين مليشيا متمردة وجيش الدولة دون تدقيق وتمحيص
· الثالثة: خلق سردية زائفه. تؤكد أن الحديث عن (دعم خارجي) هو (نظرية مؤامرة) و(استهداف سياسي) يفتقر للأدلة.
لم يقدم الإعلام العربي تحقيقا استقصائيا واحدا رغم الإمكانيات المهولة التي يمتلكها لا وثيقة ولا تتبع مسار طيران ولم يسأل حتي عن مصدر السلاح اكتفى في كل تغطياته بإعادة بث (البيانات الرسمية) وتسطيح المشهد إلى (عناوين عاطفية) وتحويل الصحافة من أداة كشف إلى أداة تبرير وتواطئ لا أخلاقي يفتقد القيمة الإنسانية .
وعندما صدر (التقرير الأممي) كان التعامل معه امتداداً للمنطق نفسه تجاهل تام أو تقليل أو اتهام اللجنة بالانحياز وهكذا حل السؤال السياسي (من المستفيد؟) محل السؤال الصحفي (ماذا حدث؟)
*التقرير الأممي وتفنيد (السرديات) المضللة*
جاء تقرير الأمم المتحدة ليكشف تهافت تلك السرديات واحدة تلو الأخرى فنسف سردية (النزاع الداخلي) والحرب الأهلية وطرفي الصراع من خلال توثيق شبكة إمداد عابرة للحدود ومرتزقة أجانب ودعم لوجستي منظم كما ونسف سردية (تساوي الطرفين ) بتخصيص فصل كامل للدعم الخارجي لقوات الدعم السريع وربطه مباشرة بجرائم القتل الجماعي في الفاشر بل ذهب أكثر من ذلك وونسف سردية (غياب الأدلة) بتقديم أرقام محددة (ألف قتيل) بالمسيرات في خمسة أشهر وأسماء نقاط عبور وجنسيات المتعاقدين.
وبهذا انتقل الملف من فضاء (المناكفات الإعلامية) إلى فضاء (المسؤولية القانونية الدولية) وهذا هو الفارق الجوهري بين الخبر والدليل بين الانطباع والحقيقة المؤكدة.
الخلاصة التي يفرضها هذا المشهد قاسية لكنها ضرورية ومعركة التوثيق كسبتها مؤسسات آمنت بأن الصحافة أمانة قبل أن تكون تجارة فواجهت المال بالوثيقة والنفوذ بلغة الأرقام والتضليل بالتحقيق والتقصي وخسرتها مؤسسات اختارت أن تكون ذراعا للسردية المضللة لا صوتا للحقيقة.
واليوم رواية الحرب في السودان تروى حقيقتها في غرف تحرير (رويترز وCNN وBBC) ومن يملك كتابة الرواية يملك لاحقا تشكيل الرأي العام وصياغة القرار الدولي وتحديد من الجاني ومن الضحية.