أخبار

ما وراء الزجاج:(التآزر ) وفخ السواحل — إثيوبيا على خطى منغستو

بقلم : هجو احمد محمد

 

 

 

لم يسقط (منغستو هيلا مريام) لأنه كان دموياً فحسب بل لأنه حارب (الجغرافيا) حتي سقط نظامه وفي مايو 1991 هرب بطائرة تاركاً دولة مفلسة وجيشاً ممزقاً وفي أكتوبر 2023 وقف آبي أحمد ليعيد الفيلم ذاته قائلاً: (120 مليون حبيس وهذا خطأ سنصححه ولو بالقوة) من تلك اللحظة سقط (قناع نوبل) وظهر (منغستو جديد) بقناع (التآزر) الفرق أن الأول باع إثيوبيا (لموسكو) والثاني يعرضها في مزاد موانئ (أبوظبي)

 

*أولاً: التآزر كقناع لحزب (الرجل الواحد)*

 

جاء منغستو في 1977 بشعار (إثيوبيا أولاً) وحلّ كل الأحزاب ليشكّل (حزب العمال) وجاء آبي في 2018 بشعار (ميديمير — التآزر) وحلّ ائتلاف الجبهة الثورية ليؤسس حزب (الازدهار) الهدف واحد هو إلغاء الفيدرالية الإثنية التي هي روح دستور 1995.

التآزر يعني نظرياً (أنا وأنت ونحن) لكنه عملياً تحوّل إلى أداة محو (للأورومو ) بإلغاء نضال جيش تحرير أورومو،وللتيغراي بإنكار مئات الآلاف من ضحايا حرب (2020–2022،) وللأمهرا بمشروع أوروميا بلباس وطني لبني شنقول وقمز والصومالي بنهب الموارد.

منغستو سمّى معارضيه (إرهابيين) وآبي فعل الشيء ذاته مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وجيش تحرير أورومو وفانو فكانت النتيجة (ست حروب )؛متزامنة في تيغراي وأوروميا وأمهرا وبني شنقول وعفر وأوغادين. اقتصادياً أنفق (منغستو) على السلاح السوفيتي وشعبه جائع وآبي أنفق المليارات على المسيّرات والقصور بينما (21 مليون) إثيوبي يحتاجون مساعدات حسب تقديرات الأمم المتحدة.

 

*ثانياً: انتحار الجغرافيا*

إثيوبيا دولة حبيسة منذ 1993 وقد تعايش (ملس زيناوي) مع هذا القدر الجغرافي واتجه إلى التعاون واستخدم جيبوتي منفذا بحريا . حتى منغستو نفسه لم يهدد بغزو مينا. لكن آبي قرر تغيير (قدر الجغرافيا) بمذكرة يناير 2024 مع (أرض الصومال) ليأخذ 20 كيلومتراً في بربرة مقابل الاعتراف بها بجملة واحدة حوّل كل (جيرانه ) إلى أعداء بما فيهم إريتريا التي يتهمها بأنها حاضنة المعارضة الآن فالصومال توحّد ضده بعد (30 سنة) انقسام، وجيبوتي التي يمر عبرها (95% )؛من تجارته تخاف من الاستبدال.

 

سنة التاريخ لا تتغير وما أسقط منغستو في 1991 كان (تحالف أضداد) الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، وجبهة تحرير أورومو وما تشكّل في سبتمبر 2026 تحت اسم (التحالف الوطني للإنقاذ) هو المشهد ذاته بنسخة أوسع ( سبع جبهات) من (ستة أقاليم ) تمثل (70% ) من السكان و(90%) من الحدود.

*ثالثاً: كيف يتقدم تحالف الأضداد؟ عندما يجتمع الأعداء يسقط النظام*

تشكيل (التحالف الوطني للإنقاذ) نفسه هو أقسى حكم يصدر ضد نظام آبي فالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وميليشيا (فانو) الأمهرية وجيش تحرير أورومو — ثلاث قوى كانت تاريخياً أشد أعداء بعضها (فانو) قاتلت إلى جانب الحكومة الفيدرالية في حرب تيغراي 2020–2022 ضد القوات التيغراية، وجيش تحرير أورومو والجبهة الشعبية يحملان عقوداً من العداء الإيديولوجي والجغرافي ومع ذلك جلس هؤلاء الأعداء التاريخيون على طاولة واحدة في سبتمبر 2026 وأعلنوا (هدفاً مشتركاً) إسقاط آبي أحمد.

وحين يتحد الخصوم فذلك يعني شيئاً واحداً أن بقاء النظام الحالي بات يشكل تهديداً أكبر للجميع من أي خلاف بينهم وعندما تتحالف الفريسة السابقة مع كلاب الصيد فقد انهار نظام الغابة.

التقدم العسكري للتحالف سريع وملموس في 22 سبتمبر 2026 أعلنت قوات تيغراي دخولها (حالة حرب شاملة) وسيطرت على مطار (ميكيلي ) عاصمة تيغراي ومطارات أكسوم وشير ما اضطر الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق جميع الرحلات الشمالية. وأعلن التحالف في الوقت ذاته شن (هجوم مضاد واسع) ضد الجيش الفيدرالي في شمال (وولو وواغ هيمرا) بأمهرا وشمال عفر مدعياً تحقيق (خسائر فادحة) في صفوف العدو و(استسلام جنود واستيلاء على أسلحة). وبغض النظر عن دقة هذه البيانات فإن تعدد الجبهات في حد ذاته اختراق استراتيجي موارد آبي العسكرية تنهك بين تيغراي وأمهرا وعفر وأوروميا ونزيف أي جبهة يعني فراغاً في الجبهات الأخرى.

 

قد يوصف التحالف بأنه (هش) لكن الهشاشة لا تعني العجز ويشير المحللون إلى أنه حتى مع وجود خلافات عميقة في الإيديولوجيا والحدود بين الفصائل فإن الحد الأدنى من التعاون — تبادل المعلومات، وتنسيق العمليات، وإجبار الجيش الفيدرالي على مواجهة أربع أو خمس جبهات في آن واحد — كافٍ لإغراق جيش منهك أصلاً في شلل استراتيجي ويقول البروفيسور كييلد إريك ترونفول من جامعة أوسلو الجديدة إن (فانو) مُعبأة بالكامل في أمهرا ونشاط جيش تحرير أورومو يتوسع في أوروميا وإذا بدأت هذه القوى بالتحرك المتزامن (فسيواجه النظام ضغطاً غير مسبوق على جبهات متعددة).

 

والدلالة الأعمق تكمن في توقيت التشكيل. تأسس التحالف في سبتمبر 2026 وهو توقيت يتزامن مع انتهاء موسم الأمطار وفتح نافذة العمليات العسكرية ويرى بعض المحللين أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قد تكون (المحفّز) الذي دفع لتسريع تشكيل التحالف لأن الوضع الإنساني في تيغراي (متدهور وخطير، وهم بحاجة إلى التحرك فوراً). وفي الوقت نفسه تدهورت علاقات حكومة آبي بإريتريا بشكل حاد بعد 2022، حيث تتهم إريتريا بدعم الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة بينما يعزز آبي انتشاره العسكري بحجة مواجهة هذا الدعم.

 

التاريخ لا يتكرر لكنه تتناغم لحظاته في 1991فرّ منغستو من أديس أبابا تحت وطأة هجوم مشترك شنّته الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا وجبهة تحرير أورومو وبعد خمسة وثلاثين عاماً تتجمع القوى ذاتها التي همّشها آبي أو اعتبرها أعداءه — لكن التحالف هذه المرة أوسع (سبع قوى ) تمتد عبر ستة من أقاليم البلاد (الاثني عشر) وحين تتصافح ألدّ الخصوم بدافع تهديد وجودي مشترك فقد تصدّعت أسس النظام بصمت ربما لم يصل آبي أحمد بعد إلى نهاية المدرج لكنه يسير على خط الطيران ذاته الذي سلكه منغستو.

 

 

*رابعاً: فخ السواحل*

 

هنا جوهر توصيف التحالف لآبي كـ (مرتزق بيد قوى تعشق السواحل) عقيدة (أبوظبي) منذ 2015 هي (من يسيطر على سواحل البحر الأحمر يسيطر على التجارة (بربرة) تديرها موانئ دبي العالمية وبوصاصو، والمخا والخوخة وعصب سابقاً لذلك الجائزة الكبرى للإمارات هي إثيوبيا الحبيسة.

 

*آبي وقع في الفخ بثلاث خطوات:*

 

الأولى: أُعطي السلاح ليدمّر جيشه (مسيّرات Wing Loong وTB2) مقابل حل القوات (الخاصة الإقليمية) في 2023 وإنشاء حرس (جمهوري) مواز يتبعه شخصياً منغستو كان تابعاً لموسكو وآبي أصبح تابعاً لأبوظبي وأنقرة.

 

الثانية: تم إقناعه أن المجد في البحر لا في الداخل وبعد كل مجزرة في أمهرا يأتي الخطاب (البحر هو المستقبل) وفي عفر حيث طريق البحر بلا تنمية وأوغادين حيث النفط والغاز بلا كهرباء.

 

الثالثة: استخدامه كرأس حربة لحروب الوكالةزفالمسيّرة التي تقصف (غوجم ) في أمهرا صباحاً هي نفسها التي تقصف (الدمازين) و(الخرطوم) مساءً أنه نفس المشغّل، نفس التمويل، جبهتان مختلفتان دول المنطقة تقتتل، والمستفيد من يريد سواحلها.

 

*خامساً: يد واشنطن — حين لم تعد أمريكا بحاجة إلى ورقة آبي*

 

في 18 سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رفع العقوبات عن إريتريا. ظاهرياً، يبدو القرار (انتهاءً إجرائياً) طبيعياً لطوارئ أُعلنت في 2021 بحجة انتهاكات حقوق الإنسان في تيغراي لكن التوقيت ليس مصادفة فالحرب توقفت منذ 2022، وإعادة الإعمار متعثرة، والنازحون لم يعودوا. فلماذا الآن؟ ولماذا بالتحديد مع تصاعد المواجهة بين آبي وإريتريا واشتداد أزمة البحر الأحمر؟

 

الجواب في (الجغرافيا) حيثةتمتلك إريتريا أكثر من (1000 كيلومتر) من سواحل البحر الأحمر وميناء عصب يبعد أقل من مائة كيلومتر عن باب المندب — المضيق الذي يحمل (12%) من التجارة العالمية وعندما يصعّد الحوثيون هجماتهم تحتاج واشنطن إلى موطئ قدم على الضفة الغربية وإريتريا الخاضعة للعقوبات ستنحاز لطهران أو بكين أما المرفوعة عنها العقوبات فيمكنها أن تكون (الخيار الاحتياطي) لواشنطن.

 

وهنا الرسالة الحقيقية لآبي لم تعد طرفاً لا غنى عنه فقيمته في عيون واشنطن كانت ثلاثية رمزية (صانع السلام) وورقة موازنة النفوذ الصيني ومنسّق عسكري مع إريتريا في حرب 2020–2022. لكن (نوبل) تحوّلت إلى سخرية،والقاعدة الصينية في جيبوتي لا تتغير بموقف آبي والتحالف مع أسمرة صار عداءً علنياً والأخطر أن مذكرة أرض الصومال في 2024 لمست مصلحة أمريكية عليا وهو استقرار البحر الأحمر فمن يغامر بتغيير الوضع القائم من جانب واحد يُصنف متغيراً يخلق عدم استقرار لا شريكاً يحل مشكلات.

 

رفع العقوبات إذاً ليس مجرد رسالة إلى أديس أبابا، بل إعلان أن واشنطن تعدّ العدة لـ (مرحلة ما بعد آبي) . إذا انهار نظامه تحت وطأة الحروب الداخلية والعزلة، تحتاج الولايات المتحدة إلى ضمان ألا يتحول الساحل الغربي للبحر الأحمر إلى فراغ سلطة.

 

آبي يظن أنه يلعب شطرنجاً يمكن أن يفوز به، لكن خطوة واشنطن تخبره لقد تحولت من لاعب إلى قطعة شطرنج .

 

منغستو باع إثيوبيا للسوفيت للبقاء، وآبي يبيعها للإمارات للبقاء والديكتاتور الذي يحارب الجغرافيا تغيّر الجغرافيا قدره وحين يجتمع الأعداء التاريخيون في تحالف واحد، فذلك ليس مجرد تكتيك عسكري بل إعلان وفاة نظام وحين ترفع واشنطن العقوبات عن خصمك اللدود فذلك ليس انفتاحاً دبلوماسياً، بل إعادة ترتيب أوراق على طاولة م إثيوبيا ابي احمد مقبلة على تحول كبير وآبي أحمد — شاء أم أبى — يسير على خط الطيران ذاته الذي سلكه منغستو.

 

23 سبتمبر 2026 م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى