أعمدة رأي

الهشاشه السياسية الإفريقية بين

التحدي والتقدم - دكتور طارق عشيري

الحديث عن القارة الإفريقية ليس حديثا جغرافياً فقط لكنه ياخذ ابعاد مختلفة  لقارة تختزن في باطنها التاريخ وفي حاضرها التحدي لمافيها من تعقيدات للمشهد السياسي وأنظمة الحكم المتعددة وغموض بعض التشريعات فالكتابة عنها تجدبعضا من الصعوبات  وعنوان هذا المقال يفند تلك الادعاءات التي تشهدها القارة الإفريقية فالحديث عن الهشاشة السياسية في إفريقيا (قدراً جغرافياً ولا لعنة تاريخية)، بل هي (نتاج تراكمات معقدة من الاستعمار)، وضعف بناء الدولة، وصراع المصالح الداخلية والخارجية.
حيث تقف القارة اليوم بين( إرثٍ مثقل بالانقسامات والانقلابات) التي تشهدها دول القارة بين الحين والاخر
حيث تعيش القارة الإفريقية اليوم مفترق طرق حقيقي بين إرثٍ ثقيل من الهشاشة السياسية وطموحٍ متجدد نحو الاستقرار والتنمية. فمنذ مرحلة ما بعد الاستعمار، وجدت كثير من الدول الإفريقية نفسها أمام تحديات بناء الدولة الوطنية في ظل حدود مصطنعة، وتنوع إثني وثقافي واسع، وضعف في المؤسسات. هذه العوامل مجتمعة جعلت المشهد السياسي في أجزاء من القارة (عرضة للاهتزاز مع كل أزمة أمنية أو اقتصادية).
الهشاشة السياسية في إفريقيا لا (تعني غياب الإمكانات، بل تشير إلى ضعف المؤسسات)، وتكرار الانقلابات، وغياب التداول السلمي للسلطة في بعض الدول، إضافة إلى تأثير النزاعات المسلحة والتدخلات الخارجية. وقد شهدت السنوات الأخيرة انقلابات متكررة في دول من غرب ووسط إفريقيا، مما أعاد النقاش حول مستقبل الديمقراطية والاستقرار في القارة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال إفريقيا في صورة الهشاشة فقط. فهناك تجارب ناجحة في الانتقال السلمي للسلطة، وتعزيز المشاركة السياسية، وبناء مؤسسات أكثر شفافية. كما أن دور الاتحاد الإفريقي في ترسيخ مبدأ رفض الانقلابات وتعزيز الحوكمة الرشيدة يمثل خطوة مهمة، رغم التحديات التي تواجهه في التطبيق الفعلي.
إضافة إلى ذلك، يشهد الوعي الشعبي الإفريقي تطوراً ملحوظاً، خاصة بين فئة الشباب التي باتت أكثر انخراطاً في قضايا الشأن العام، مطالبةً بالإصلاح، والعدالة، والتنمية المتوازنة. كما أن التحول الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي أسهما في رفع سقف المطالب السياسية وتعزيز الرقابة المجتمعية على أداء الحكومات.
إن التقدم السياسي في إفريقيا مرهون بإصلاحات حقيقية تركز على بناء مؤسسات قوية، واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وتحقيق تنمية اقتصادية تقلل من هشاشة المجتمعات أمام الصدمات. كما أن الشراكات الإقليمية، وتكامل الأسواق، وتعزيز الهوية الإفريقية المشتركة تمثل أدوات مهمة لتجاوز مرحلة الاضطراب.
تبقى الهشاشة السياسية في إفريقيا تحدياً واقعياً، لكنها ليست قدراً محتوماً. فالقارة التي تملك ثروات بشرية وطبيعية هائلة قادرة – إذا أحسنت إدارة تنوعها واستثمرت في مؤسساتها – أن تنتقل من دائرة التحدي إلى أفق التقدم، وتكتب فصلاً جديداً من الاستقرار والنهوض، يليق بتاريخها وإمكاناتها ومستقبل اجيالها، وطموحٍ مشروع نحو الاستقرار المنشود  والديمقراطية والتنمية. ففي كل أزمة تولد فرصة، وفي كل تعثر ينهض سؤال الإصلاح. وبين التحدي والتقدم، تتشكل ملامح إفريقيا الجديدة؛ قارة تبحث عن توازنها السياسي، وتعيد صياغة مستقبلها بإرادة شعوبها ووعي نخبها
ويبرز سؤال هل تغيرت الهشاشه  في  القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة الإجابة لا حيث كانت هناك موجة متجددة من الاضطرابات السياسية، أعادت إلى الواجهة سؤال الاستقرار وبناء الدولة. فقد تكررت الانقلابات العسكرية في عدد من دول غرب ووسط إفريقيا، وتراجعت مؤشرات التحول الديمقراطي في بعض البلدان، مما كشف عن عمق التحديات التي تواجه الأنظمة السياسية الإفريقية.
أحد أبرز مظاهر هذه الهشاشة تمثل في (عودة الجيوش إلى المشهد السياسي)، في ظل( أزمات اقتصادية خانقة)، و(تدهور أمني)، و(ضعف الثقة بين الشعوب والنخب الحاكمة). كما ساهمت( التحديات المرتبطة بالإرهاب والجماعات المسلحة)، خاصة في منطقة الساحل، في إضعاف الحكومات المدنية وتعقيد مسارات الانتقال السياسي.
ورغم الجهود التي يبذلها الاتحاد الإفريقي لتعزيز مبدأ رفض التغييرات غير الدستورية للسلطة، فإن تطبيق هذه المبادئ يظل رهين الإرادة السياسية للدول الأعضاء، وقدرتها على إصلاح مؤسساتها الداخلية. كذلك لعبت الأزمات الاقتصادية العالمية، وتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، دوراً في زيادة الضغط على الحكومات، ما فاقم حالة السخط الشعبي.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل؛ فهناك دول إفريقية استطاعت الحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي، وتعزيز التداول السلمي للسلطة، وتوسيع المشاركة الديمقراطية. كما برز دور الشباب والمجتمع المدني ووسائل الإعلام الرقمية في المطالبة بالإصلاح والمساءلة، مما يعكس تحولات عميقة في الوعي السياسي داخل القارة.
إن الهشاشة السياسية في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة تكشف عن صراع بين نموذجين: نموذج يعيد إنتاج الأزمات عبر احتكار السلطة وضعف المؤسسات، ونموذج يسعى إلى ترسيخ الحكم الرشيد والشفافية. وبين هذين المسارين، يبقى مستقبل القارة مرهوناً بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق تنمية عادلة، وإدارة التنوع بروح وطنية جامعة
هل تستطيع إفريقيا التخلص من هشاشتها السياسية؟
ليست الهشاشة السياسية قدراً مكتوباً على جبين القارة الإفريقية، لكنها نتيجة تاريخ طويل من التراكمات المعقدة. فمنذ أن خرجت الدول الإفريقية من عباءة الاستعمار، وهي تحاول أن تبني دولة حديثة بحدود لم ترسمها، ونظم لم تُصَغ وفق خصوصياتها، ومجتمعات متنوعة لم تُمنح الوقت الكافي لتصوغ عقدها الاجتماعي الخاص. وبين طموح الاستقرار وواقع الصراعات، ظلت القارة تتأرجح.
الهشاشة السياسية في إفريقيا تتجلى في الانقلابات العسكرية، وضعف المؤسسات، وتغول الشخصنة على الدولة، والصراعات حول الموارد والهوية. كما أن التدخلات الخارجية كثيراً ما عمّقت الانقسامات بدلاً من معالجتها. لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فالقارة اليوم ليست كما كانت قبل عقود.
لقد نشأ الاتحاد الإفريقي ليكون إطاراً جامعاً يعزز مبدأ التداول السلمي للسلطة ويرفض الانقلابات. ورغم محدودية أدواته أحياناً، إلا أن مجرد وجود آلية قارية للضغط والمساءلة يمثل تطوراً مهماً في الوعي السياسي الإفريقي. كما أن تزايد دور المنظمات الإقليمية يعكس إدراكاً بأن الأمن والاستقرار مسؤولية مشتركة.
من ناحية أخرى، يشكل الشباب الإفريقي اليوم قوة تغيير حقيقية. في دول مثل السودان ونيجيريا وكينيا، برز وعي متقدم يطالب بالشفافية والحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية. هذا الوعي الشعبي هو الركيزة الأساسية لأي تحول سياسي مستدام، لأنه ينقل المعركة من صراع نخب إلى مشروع وطني عام.
كما أن بعض التجارب الإفريقية أثبتت أن الاستقرار ممكن متى ما توفرت الإرادة السياسية وبُنيت المؤسسات على أسس واضحة. فدول مثل غانا ورواندا قدمت نماذج – بدرجات متفاوتة – في تعزيز الاستقرار وبناء مؤسسات أكثر انضباطاً.
غير أن التخلص من الهشاشة لا يتحقق بالشعارات، بل عبر مسار طويل يقوم على ثلاثة أعمدة:
أولاً، ترسيخ دولة المؤسسات والقانون بحيث لا تختزل الدولة في شخص أو جماعة.
ثانياً، إدارة التنوع العرقي والثقافي باعتباره مصدر قوة لا سبب صراع.
ثالثاً، تعزيز الاستقلال الوطني وتقليل الارتهان للصراعات الدولية.
إن (مستقبل إفريقيا لن تحدده أزماتها الحالية)، بل قدرتها على التعلم من تلك الأزمات. فالقارة تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وكتلة شبابية ضخمة، وموقعاً استراتيجياً مهماً. وإذا ما اقترن ذلك بإصلاح سياسي حقيقي، فإن إفريقيا يمكن أن تتحول من قارة توصف بالهشاشة إلى قارة توصف بالنهضة.
الهشاشة ليست قدراً أبدياً، لكنها اختبار لإرادة الشعوب والنخب معاً. والسؤال لم يعد: هل تستطيع إفريقيا؟ بل متى تقرر أن تبني مستقبلها بيدها؟
إن هشاشة السياسة الإفريقية ليست نهاية الطريق، بل بداية وعيٍ جديد بضرورة الإصلاح العميق وبناء الدولة على( أسس العدالة والمؤسسية والمساءلة). فالقارة التي عانت من الانقلابات والصراعات، تمتلك في المقابل (طاقة بشرية شابة)، و(موارد هائلة)، و(إرادة تتشكل من رحم المعاناة). وبين التحدي والتقدم، (يبقى الخيار بيد الأفارقة أنفسهم) إما (إعادة إنتاج دوائر الاضطراب)، أو كسر الحلقة وبناء مستقبلٍ سياسي أكثر نضجاً واستقراراً. وحين( تنتصر الإرادة على الهشاشة)، ستتحول إفريقيا من (ساحة أزمات إلى نموذج نهوض يفرض احترامه على العالم).
رغم الهشاشة السياسية التي تعاني منها بعض دول القارة، ستظل إفريقيا قارة المستقبل… قارة الموارد الهائلة، والشعوب الشابة، والطاقات المتجددة التي لا تنضب.
لقد عانت إفريقيا من إرث الاستعمار، ومن صراعات داخلية، ومن تدخلات خارجية، لكنّها في كل مرة تثبت قدرتها على النهوض. من( تجربة التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا) بعد حقبة الفصل العنصري، إلى( النمو الاقتصادي المتسارع في رواندا)، و(صولاً إلى ثقل نيجيريا الديمغرافي والاقتصادي)… كلها شواهد على أن القارة ليست هامشًا في العالم، بل قلبًا نابضًا ينتظر اكتمال نضجه السياسي.
الهشاشة السياسية ليست قدَرًا دائمًا، بل مرحلة انتقالية في مسار طويل من بناء الدولة الوطنية وترسيخ حكم القانون.
القارة الإفريقية تمتلك أكثر من 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميًا، وتضم واحدة من أكبر الكتل الشبابية في العالم، ما يجعلها مؤهلة لقيادة موجة اقتصادية جديدة إذا أحسنت إدارة مواردها وتنوعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى