
الدول كالأشخاص إذا قطعت شرايينها ماتت ولو كانت مدججة بالسلاح وإثيوبيا اليوم دولة يقطع شريانها بيد أبنائها.
في العشرين من سبتمبر اجتمع خصوم الأمس على ورقة واحدة (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، وجبهة الوحدة العفرية) أربع حركات تقاتلت فيما بينها جمعها خطاب واحد.
في الأول من سبتمبر قال آبي أحمد إن عصب مسألة (وجودية وحتمية) وعندما يتحول الميناء إلى وجود يشعر الجميع أن وجوده مهدد.
بعد الخطاب بثلاثة أيام تحرك الميدان في الخامس والعشرين من سبتمبر أعلنت (الجبهة العفرية) تقدمها في المنطقة الثانية حيث يمر الشريان الوحيد بين (أديس أبابا وجيبوتي)
*أولا: ما هو حصار عصب؟*
في القانون البحري حصار الميناء يكون بقطع بحرية تمنع السفن من الدخول أما حصار عصب فهو عكس القانون تماما ميناء يمنع نفسه من العمل.
عصب اليوم ليس محاصرا عصب هو الحصار نفسه هو ميناء (فارغ ) يحاصر (دولة كاملة) هذه هي حالة (إثيوبيا ) وحصارها من ثلاث طبقات:
*الطبقة الأولى: حصار المالك الذي يرفض التأجير.*
إريتريا تملك عصب منذ 1993 الميناء يصلح لثلاثة (ملايين حاوية) لكنه اليوم يستقبل (صفر حاوية ) أسمرة ترفض تأجيره (لإثيوبيا) حتى لو دفعت وترفض تأجيره (للإمارات ) حتى لو دفعت أكثر كما قال وزير خارجيتها في 12 سبتمبر (رفضنا موانئ دبي. لماذا؟ لأن الميناء عندها ليس (استثمارا) بل (ورقة سيادة) إذا أجرته أصبحت إثيوبيا (قوة بحرية) وإذا أجرته للإمارات أصبحت (مستعمرة) فاختارت الحل الثالث أن يبقى (مقبرة سفن)
وفي 24 سبتمبر قطعت أسمرا علاقتها مع أبوظبي والإمارات التي بنت القاعدة في 2016 خرجت في 2021 لم تعد تملك شيئا هناك. (الفراغ ) إريتري خالص.
*الطبقة الثانية: حصار الجيران الذين يريدونه مقبرة سفن*
مصر والسعودية وفرنسا وأمريكا لا تملك الميناء لكنها تملك القرار مصر ترى في عصب تهديدا بسبب (سد النهضة) فمن يملك باب المندب يفرض شروطه على النيل والسعودية ترى فيه منافسا (لنيوم وجدة) فنيوم تقابل عصب مباشرة وفرنسا وأمريكا تملكان جيبوتي وجيبوتي تربح (ملياري دولار) في العام من كون (عصب مغلقا) لو فتح عصب (أفلس) ميناء جيبوتي الذي فيه قواعدهما. لذلك الجميع متفق ضمنا عصب يجب أن يبقى مغلقا هذا هو الحصار الدولي بلا سفن.
*الطبقة الثالثة: حصار الحارس الذي يملك الطريق.*
حتى لو اتفقت إريتريا وإثيوبيا ومصر والسعودية وفتح عصب غدا صباحا فلن تصل بضاعة واحدة إلى أديس. لماذا؟ لأن الطريق من عصب إلى أديس يمر (300 كلم) في (صحراء العفر)؛والعفر هم (الحارس) وهم اليوم يقولون ( نحن لا نريد أن نكون حرسا لطريقكم نريد أن نكون نحن أصحاب الطريق. نحن من يأخذ (المليارين) رسوم العبور .
لهذا سيطرت جبهة الوحدة على المنطقة الثانية في 25 سبتمبر لم (تقطع الطريق) إلى جيبوتي بل أرادت أن تقول (نستطيع أن نقطع الاثنين معا نستطيع أن نملك صناعة الجوع.
في القانون نقول الحيازة في المنقول سند الملكية وهنا العكس تماما عدم الحيازة هو سند الملكية فإريتريا تحوز الميناء بأن لا تستخدمه ومصر والسعودية تحوزانه بأن تمنع غيرها من استخدامه والعفر يحوزونه بأن يملكوا الطريق إليه.
إثيوبيا محاصرة بميناء يملكه غيرها ويغلقه غيرها ويحرس طريقه غيرها وهي تدفع (فاتورة الحصار) في مكان آخر تماما في جيبوتي هذا هو حصار الفاتورة. حصار بلا سفن، بلا جنود، بلا إطلاق نار. حصار تدفع فيه الدولة المليارات لتبقى محاصرة.
*ثانيا: لماذا يرفض العفر الإمارات؟*
حين بنت الإمارات قاعدتها أخلت قرى عفرية ومن رحم ذلك الإخلاء ولدت الجبهة العفرية العفر لا يريدون أن يكونوا (عمال تحميل) في ميناء تديره (دبي) يريدون أن يكونوا هم مثل جيبوتي.
*ثالثا: كيف تنظر تيغراي إلى عصب؟*
حتى عام 1993 كان عصب ميناء إثيوبيا، وسبعون بالمئة من تجارته (تيغراويون) لكن تيغراي اليوم لا تريده هدية من أفورقي الذي حاربها ولا تريده ميناء عفريا غاليا كجيبوتي بخمسة آلاف دولار للشاحنة تريده ميناء (فيدراليا) رخيصا تديره مع (العفر)
*رابعا: لماذا تريد مصر والسعودية أن يبقى فارغا؟*
مصر ترى أن إريتريا الضعيفة التي تغلق الميناء خير لها من إثيوبيا القوية التي تفتحه والسعودية تقدم (وديعة مجمدة) لأسمرا شرطها ألا يعمل الميناء حسب تسريبات (بلومبرغ 2024) اتفقتا علي أن يبقي عصب مقبرة سفن وجيبوتي تستنزف إثيوبيا.
إثيوبيا تعيش على شريان واحد طوله سبعمائة وخمسون كيلومترا التحالف الجديد يخنقه بثلاث كماشات ( شمالية تقطع الوقود) و(وسطى لفانو تفرض ضريبة (30% ) بما يقدر بمليونين إلى ثلاثة ملايين في الشهر حسب (ACLED) وجنوبية لأورومو تقطع القهوة التي توفر سبعين بالمئة من العملة الصعبة.
هذا هو الاستنزاف الذي أسقط (منغستو) من (1977 إلى 1991) كان السوفيت يعطونه سلاحا يكفي ليبقى لا لينتصر وأمريكا تعطي خصومه ما يكفي ليبقوا.
آبي اليوم في نفس الدائرة الإمارات تعطيه وعد (بربرة) وتركيا تعطيه (مسيرات) تكفي لقصف اجتماع لا لحسم جيوش في غابة ومصر والسعودية تمنعانه من عصب دون أن تسقطانه والتحالف لن يزحف إلى (أديس أبابا) فحسب هذه ليست قضية احتلال عاصمة هذه قضية (حصار وإفلاس) في السوق و في طابور الوقود، وفي سعر الخبز، وفي سعر الدولار.
*وهكذا التاريخ لا يجامل الدول الحبيسة.*
الدولة الحبيسة التي تتبنى (نهج العداء) مع جيرانها تخسر مرتين مرة حين تغلق عليها الأبواب ومرة حين تدفع ثمن فتحها وإثيوبيا اليوم تدفع الثمنين معا فهي قد جربت العداء مع الجميع فخسرت (عصب) في 1993 ثم جربت (التعاون) مع جيبوتي فبنت اقتصادها، لكنها نسيت أن التعاون مع تاجر واحد هو نوع آخر من الحصار فأصبحت تدفع ملياري دولار في العام ثمن هواء تتنفسه من رئة غيرها.
والدولة الحبيسة التي (تتبنى التعاون) تتطور. رواندا حبيسة مثلها لكنها فتحت حدودها فأصبحت (سويسرا أفريقيا) وسويسرا نفسها حبيسة لكنها جعلت من (حيادها تعاونا) فأصبحت خزينة العالم.
الفرق بينهما هو الدرس (التعاون) يفتح (الموانئ) والعداء يغلق (الطرق)
آبي أحمد لم يستفد من التاريخ قال إن عصب مسألة (وجودية وحتمية) كأن البحر يؤخذ بالخطاب ونسي أن (منغستو) قال نفس الكلام في 1989 فخسر البحر والبر معا.
لو قرأ التاريخ لعرف أن عصب لا يفتح بالتهديد بل بالتعاون لا يفتح بتحالف مع (أبوظبي البعيدة) ضد (العفر القريبين) بل بالجلوس مع (العفر) أولا ومع (أسمرا) ثانيا، ومع (جيبوتي) ثالثا.
وإثيوبيا اليوم محاصرة بنفسها حصار الفاتورة الذي صنعه خطابها.
24 سبتمبر 2026م


