
منذ أن رسم الإنجليز (خط ماينور) عام 1902 تعلمت الخرطوم أن حدودها الشرقية ليست خطاً على الخريطة بل اختبار للنوايا وفي كل مرة مدت فيها أديس أبابا يدها وقالت (صداقة) كانت تخفي خلف الزجاج (عداوة)
*البداية: دموع في قاعة الصداقة*
في يونيو 2019، بعد فض اعتصام القيادة، دخل أبي أحمد قاعة الصداقة في الخرطوم بعيون (دامعة)؛وقال للسودانيين: )كونوا حفظة للسلام) بدا كحمامة (نوبل) ومنحه من في القاعة (تفويضاً أخلاقياً) لكنه لم يكن يبحث عن دور (الوسيط) بل عن دور (الوصي) الذي يتدخل في الشئون الداخلية
ومن قاعة الصداقة إلى قاعدة أصوصا المسافة لم تكن بالكيلومترات بل بحجم المؤامرة. سبع سنوات كانت كافية لكشف النية.
*من الدموع إلى الفشقة*
أول خيانة كانت في الفشقة في نوفمبر 2020، حين استعاد الجيش السوداني أرضه في الفشقة الكبرى والصغرى، كان رد أبي أحمد اتهام الخرطوم باستغلال (حرب تيغراي) وحشد الميليشيات الأمهرية وقصف القرى السودانية.
*من الحظر الجوي إلى الحاضنة السياسية*
في 10 يوليو 2023، خلع أبي أحمد الثوب تماماً. في قمة (الإيقاد الرباعية) التي رأسها مع (وليم روتو ) في (أديس أبابا) قال جملته التي لا تُنسى: (هناك فراغ في قيادة الدولة في السودان) بجملة واحدة أنكر مجلس السيادة والجيش والدولة.
ولم يكتفِ بالإنكار بل طالب بثلاثة لا يطالب بها إلا (عدو متربص) : فرض (حظر جوي ) على الجيش السوداني ونزع (مدفعيته الثقيلة) ونشر قوات (شرق أفريقيا) داخل السودان كان يريد ليبيا ثانية.
وعندما ردت الخرطوم بأن أي قوات تدخل ستعتبر معتدية وأنها ستعيد النظر في عضوية الإيقاد، اكتفت الخارجية الإثيوبية بالقول إنها (تصريحات بلا أساس) ثم استقبلت حميدتي في 28 ديسمبر 2023.
وحين فشل الحظر في القاعات فتحت الأبواب (للحاضنة السياسية) للمليشيا في 2 يناير 2024، استضافت أديس أبابا إعلان (حمدوك-حميدتي ) في محاولة لمنح شرعية سياسية للمليشيا وهي ترتكب المجازر في الجزيرة ودارفور. وفي مايو 2024 احتضنت (المؤتمر التأسيسي) لتحالف (تقدم) ثم (صمود) برعاية كاملة وفي 26 أغسطس 2025 استقبلت حميدتي في (زيارة سرية) ثانية لبحث ملفي النيل الأزرق والحدود.
*من الحاضنة إلى القاعدة في أصوصا*
وهنا ظهر (الخيط الإماراتي) عندما كشف تحقيق لوكالة رويترز في فبراير 2026 عن معسكر سري في (مينجي) قرب (أصوصا) بتمويل ولوجستيات (إماراتية) يضم نحو (4300 ) عنصر من المليشيا أقامه مدير الاستخبارات العسكرية الإثيوبي الجنرال (جيتاشو جودينا ) نفسه إثيوبيا لم ترد على أسئلة رويترز بل (طردت ) مراسليها الثلاثة.
ثم جاء (مختبر البحوث الإنسانية) بجامعة (ييل) وقارن قاعدة (أصوصا) بـ 14 قاعدة إثيوبية أخرى في الفترة نفسها ولم يجد هذا النمط إلا في أصوصا وقال مدير المختبر (ناثانيال ريموند) : (هذا أول دليل بصري، بل هو أسوأ مما كنا نخشى فإثيوبيا تساعد الدعم السريع من داخل قاعدة جيشها).
في مايو 2026، بلغ العداء ذروته بتدبير (ضربات مسيرات) انطلقت من مطار (بحر دار) كنقطة انطلاق لوجستي نحو مطار الخرطوم وقواعد عسكرية، بعد استعادة بيانات طائرة إماراتية أُسقطت فوق الأبيض، فاستدعى السودان سفيره من أديس أبابا. قالت الخارجية الإثيوبية (لا أساس) وقالت الإمارات إنه (تشتيت) وفي أغسطس وسبتمبر 2026، أعلن الجيش إسقاط مسيرات انطلقت من اتجاه إثيوبيا نحو سدود ومنشآت في القضارف وكسلا.
*اتهام موثق … اتهام مختلق*
عداء إثيوبيا للسودان موثق بالصور والأدلة المادية أما اتهامها للسودان بالتدخل في تيغراي فهو اتهام مختلق بلا دليل، وكل دافعه البحث عن (شماعه)
لم يبنِ السودان (حظيرة مسيرات) في القضارف كما بنت إثيوبيا حظيرتها في أصوصا، ولم تهبط (طائرة C-130) في كسلا محملة برشاشات (50 ملم ) كما هبطت في (مينجي) ولم يشرف جنرال سوداني على معسكر يضم 4300 متمرد إثيوبي كما أشرف الجنرال (جيتاشو جودينا) على معسكر المليشيا ولم تطرد الخرطوم مراسلي رويترز كما طردتهم أديس أبابا لأنها تخشى الحقيقة.
لماذا يتهم السودان اليوم؟ لأن ابي احمد يواجه (سبع حركات مسلحة) أسقطت (ميكيلي وشاير وأكسوم) وجيشه ينهار في الشمال فلا يستطيع أن يقول لشعبه (فشلت) لكنه يقول بدلا عن ذلك (السودان يتدخل) إنها صناعة العدو الخارجي لمجابهة تحالف الداخل وهي ذات العقيدة التي اتهم بها السودان عام 2020 حين حرر جيشه الفشقة وقيل إنه (استغل حرب تيغراي)
فإن كان هناك دعم سوداني لتيغراي اليوم، فهو نتيجة لعدوانه لا سبب له، والمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة لا تمنح (المعتدي) حق (الشكوى) عندما يرتد سلاحه عليه من فتح مطار (أصوصا ) لمتمردي جاره أغلق مطار (ميكيلي) هرباً من متمرديه.
الدولة التي تفتح مطاراتها لمتمردي جارها ستغلق مطاراتها يوماً هرباً من متمرديها.
27 سبتمبر 2026



