مقالات

ثيوبيا وفخ (الحد الطبيعي) – أطماع لا تموت .. قراءة في أيديولوجيا الصراع مع السودان

ما وراء الزجاج بقلم هجو أحمد محمد محمد

*ما

 

 

ما يحدث اليوم في قاعات أديس أبابا تحت مسمى (مؤتمر الخماسية) لحل الأزمة السودانية ليس حدثا طارئا ولا استجابة إنسانية بريئة بل هو امتداد عضوي لسياسة إثيوبية استراتيجية راسخة تتجاوز حكومة آبي أحمد إلى (جذورها التاريخية) وتحويل السودان إلى (ساحة نفوذ ) وورقة ضغط. وتأتي هذه الاستضافة في إطار رؤية إثيوبية لنفسها كلاعب إقليمي لا غنى عنه تستثمر موقعها كعاصمة (للاتحاد الأفريقي) لتقديم نفسها كوسيط رئيسي وهو دور يمنحها نفوذاً سياسياً مباشراً في (الشأن السوداني) ويفتح لها أبواباً للتأثير على أي ترتيبات مستقبلية تمس مصالحها الخاصة وعلى رأسها ملف البحر الأحمر والحدود والتصرف كدولة (حبيسة) .

فصناعة الفوضى في السودان توفر بيئة خصبة لتعزيز المشاريع الإثيوبية التوسعية في ظل دولة ذات هشاشة أمنية وسياسية لخلق (فراغ جيوسياسي) تسعى القوى الإقليمية لملئه ويجعل السودان بالفعل (ورقة ضغط) في صراعات كبرى على النفوذ في المنطقة الأفريقية . وهذا ليس سوى الوجه المعاصر ل (عقيدة توسعية قديمة) تبدأ مفاتيح فهمها من عقيدة (الحد الطبيعي )

 

 

عقيدة (الحد الطبيعي) كأيديولوجيا وغطاء للتوسع والأطماع هي ليست مجرد كلمة تقال في مناسبة دبلوماسية ولا تصريحاً عابراً يمكن تجاوزه. فعندما يصرح قائد عسكري إثيوبي مخضرم مثل (ألولا آبا نيغا بأن ) أن (البحر الأحمر كان وسيبقى الحد الطبيعي لإثيوبيا) فهو لا يقدم وصفاً (جغرافياً) فحسب بل يؤسس لعقيدة توسعية مكتملة الأركان وعندما يكرر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بعد أكثر من قرن أن (البحر الأحمر ليس قريباً جغرافياً من إثيوبيا فقط، بل هو حدها الطبيعي)؛ فهو لا يستشهد بماضٍ بعيد، بل يعلن (رؤية استراتيجية) وبرنامجاً سياسياً قائماً ومستقبلياً.

هذه المقولة تشكل مفتاحاً لفهم العقلية الإثيوبية، وطريقة تفكير صانع القرار، وسلوكه (العدائي التاريخي) تجاه السودان فهي تحول المطالبة بموانئ على البحر الأحمر من (توسع) على حساب الجيران إلى استعادة (حق طبيعي)؛ وفي هذا التحول يكمن فخ أيديولوجي حقيقي؛يجعل التوسع الإثيوبي مشروعاً في (عيون الإثيوبيين) ويجعل أي دفاع سوداني عن حدوده عدواناً على ذلك (الحق التاريخي).

فإذا كان البحر الأحمر هو الحد الطبيعي لإثيوبيا، فماذا يعني ذلك بالنسبة للأراضي الواقعة بين المرتفعات الإثيوبية والبحر؟ وماذا عن مصير السودان وإريتريا وجيبوتي الإجابة أوضح ما تكون في التاريخ نفسه: فإثيوبيا عندما كانت (إمبراطورية) لم تكن ترى حدوداً تفصلها عن البحر وعندما أصبحت (دولة حبيسة) بعد 1993، لم تتخلَّ عن (حلمها التاريخي ) بل أعادت صياغته بلغة (العدالة) و(الحق التاريخي). وهنا الأطماع لا تموت بل تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر بثوب جديد وتقتنص أوقات الهشاشة والضعف.

وما تفعله هذه المقولة هو إعادة إحياء (إرث أكسومي) بلغة معاصرة حيث لم تعد المطالبة بالبحر تُقدَم ك(توسع وأطماع) بل كعدالة جغرافية ل(دولة حبيسة) وهذا التحول هو خداع أيديولوجي استراتيجي متقن تتعدد أشكاله وتختلف أساليبه من عصر إلى عصر.

 

فمن منظور الجغرافيا السياسية والقانون الدولي، مقولة (البحر الأحمر حد طبيعي لإثيوبيا) هي افتراء واضح. فالبحر الأحمر يحاذي دولاً ذات سيادة كاملة، ولا يمكن لدولة واحدة الادعاء بأنه حدها الطبيعي على حساب سيادة الآخرين. كما أن إثيوبيا كانت لها سواحل حتى عام 1993 وفقدتها بانفصال إريتريا، واعترفت بذلك. وإذا طُبِّق منطق (الحد الطبيعي) بصراحة، لكانت المطالبات متبادلة ولا نهائية. فلماذا لا تطالب إريتريا بأن يكون البحر الأحمر حدها الطبيعي الغربي حتى عمق الأراضي الإثيوبية؟ أو أي من الدول المشاطئة للبحر الأحمر؟

 

منظومة الأطماع المتكاملة

مقولة البحر الأحمر ليست استثناء هي رأس حربة في منظومة أيديولوجية متكاملة تغذي الأطماع تجاه السودان، في منظومة من المقولات مثل: مقولة (الفشقة أرض أمهرية محتلة) التي تعكس كيف تتعامل إثيوبيا مع منطقة الفشقة كأرض محتلة ومن قبل صرح وزير الخارجية الإثيوبي أمام البرلمان بأن (أراضينا الإثيوبية ستعاد) متهما السودان بـ (غزو إثيوبيا) في إنكار فاضح لكامل السيادة السودانية على أراضٍ معترف بها دولياً بموجب اتفاقية 1902 التي وقعتها إثيوبيا نفسها.

 

ومقولة (إرث أكسوم كسند للشرعية) التي تستحضر غزو مملكة أكسوم ل(مروي ) عام 350 ميلادية في الخطاب القومي الإثيوبي ليس كحدث تاريخي عابر بل كدليل على أن السودان كان جزءاً من دائرة النفوذ الأكسومي، وأن العودة إلى هذا النفوذ ليست توسعاً بل استعادة حق. وهذا التوظيف للتاريخ هو تزوير للوعي الجمعي فأحداث قبل 1700 عام لا يمكن أن تكون سنداً قانونياً أو سياسياً للمطالبات الحالية.

وقصة (مروي وأكسوم) تمثل نموذجاً للخداع الاستراتيجي: ففي الوقت الذي كانت فيه مملكة مروي في ذروة ازدهارها، كانت تربطها بأكسوم علاقات تجارية قائمة على المنفعة المتبادلة، لكن هذه الشراكة والمنافع لم تمنع (أكسوم) عندما شعرت بقوتها وضعف جارتها من الغزو والتدمير هذا هو الخداع الاستراتيجي: شريك يتعاون ويتاجر، وفي اللحظة المناسبة يتحول إلى قاتل استراتيجية إثيوبية قديمة أعادت إنتاجها مع السودان بنفس السيناريو في العصر الحديث: تعاون مؤقت، انتظار لحظة الضعف، ثم الضربة القاضية.

 

استمرارية النمط العدائي – من القرن التاسع عشر إلى اليوم

 

هذا النمط من الخداع والعداء لم يتوقف عند مملكة أكسوم بل تجدد عبر الحقب والعصور ففي القرن التاسع عشر، وبعد انهيار الحكم التركي المصري في السودان، سعت إثيوبيا إلى التوسع غرباً. وخلال فترة الدولة المهدية، اتبعت إثيوبيا النهج العدائي نفسه، إلا أنها مُنيت بهزيمة قاسية في معركة القلابات التي شهدت مقتل الإمبراطور الإثيوبي.

 

وفي العصر الحديث، بعد نيل السودان استقلاله، تكرر النمط الإثيوبي العدائي على حدوده خلال كل حرب أهلية شهدها السودان. ففي الحرب الأهلية الأولى، دعمت وساندت إثيوبيا حركة (الأنيانيا) المتمردة وفي حكم منغستو، دعمت وساندت بقوة الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقدمت لها الأسلحة ومرافق التدريب. وفي التسعينيات، دعمت تحالف (جبهة الدول الرافضة) للضغط على السودان. ولم تكتفِ بالدعم عن بُعد، بل اجتاحت القوات الإثيوبية الأراضي السودانية في يناير 1997 واحتلت مناطق حدودية، وارتكبت فظائع بحق المدنيين.

وهذا ما يثبت أن العداء الإثيوبي ليس رد فعل ظرفياً بل هو (استراتيجية ثابتة) تستغل أوقات الضعف والهشاشة السياسية في السودان لتحقيق أهدافها التوسعية.

 

استرداد الحق – عندما عاد السودان إلى حدوده المشروعة (2020)

 

في 15 ديسمبر 2020، نصب مسلحون إثيوبيون كميناً لدورية سودانية في (أبو طيور) بمنطقة الفشقة الحدودية مما أسفر عن مقتل 4 جنود. كان الكمين القشة التي قصمت ظهر البعير. ردَّ الجيش السوداني بحسم، وأعلن البرهان قائلا : (تحملنا 25 عاماً من الإهانات) واسترد السودان أراضيه المغتصبة منذ (25 عاما) وعاد إلى حدوده المعترف بها دولياً بموجب اتفاقية 1902. كان هذا هو الفارق الذي انتظره السودان لعقود: ليس ليغزو، بل ليعود إلى أرضه. وما تلا ذلك كان صدمة لإثيوبيا: أن استعاد السودان حدوده التاريخية.

لم يطلب السودان أكثر من حقه. لم يتجاوز خط 1902 ولو بمتر. لم يطالب بأرض إريتريا أو جيبوتي. لم يفعل ما تفعله إثيوبيا حين تنظر إلى البحر الأحمر كحد طبيعي. السودان اكتفى بأن يعود إلى حدوده التي وقعت عليها إثيوبيا نفسها عام 1902. وحين ضعفت إثيوبيا بحرب (التيجراي) لم يذهب السودان إلى (أديس أبابا) بل ذهب إلى حدوده. أما حين ضعف السودان بحرب 2023، فذهبت إثيوبيا إلى (الكرمك) وانطلقت المسيرات الإماراتية تضرب (الخرطوم ) ومدن السودان هذا هو الفارق بين (الدفاع) عن السيادة و(الطمع) في سيادة الآخرين.

 

التربية الأيديولوجية – المناهج كأداة لتجذير الأطماع

 

تقوم إثيوبيا عبر مناهجها التعليمية بترسيخ ثقافة توسعية معادية للسودان، من خلال تلقين الطلاب أن الأراضي الواقعة غرباً حتى النيل الأزرق كانت جزءاً من الإمبراطورية الإثيوبية التاريخية، في محاولة لتبرير أطماعها الإقليمية وإضفاء الشرعية عليها ضمن الوعي الجمعي للأجيال القادمة مما يخلق جيلاً ينظر إلى السودان كأرض مغتصبة.

هذه الاستراتيجية طويلة المدى لتغيير الوعي الجمعي فسَرت الغضب الهائل داخل إثيوبيا تجاه اتفاق 2008 الذي اعترف بخط 1902، فقوبل ب(اتهامات بالخيانة) إذن الإجماع الإثيوبي يرفض أي اعتراف بالحدود الحالية.

 

 

اتفاقية 1902 – أفضل (ترسيم) ينتظر (العلامات)

 

اتفاقية 1902 بين الإمبراطور (منليك الثاني) والحكومة (البريطانية ) في منطقة (الفشقة) يعتبرها خبراء القانون الدولي الأكثر دقة بين حدود إثيوبيا مع جيرانها. إلا أن إثيوبيا تزعم أن الترسيم كان (أحادي الجانب) أو (استعمارياً لا يلزمها)، وهو ادعاء فاضح ومغالطة عقيمة.

فإثيوبيا حضرت ووقَعت، ولم تكن (مستعمرة) والطرف الغائب هو السودان الذي كان مستعمرة فكيف تحتج دولة حضرت ووقَّعت بغياب دولة أخرى؟ ولو طُبِق منطقها لوجب عليها رفض كل حدودها مع جيرانها، لكنها اعترفت بحدودها مع إريتريا في اتفاقية الجزائر 2000، ومع جيبوتي والصومال وكينيا . لماذا الحدود مع السودان فقط غير ملزمة؟ لأن الفشقة أرض خصبة غنية ب(الموارد والثروات) أما الحدود الأخرى فهي مناطق قاحلة . فإثيوبيا لا تحتج على (الإرث الاستعماري) كمبدأ بل تنتقي ما يناسب مصلحتها التوسعية.

 

سد النهضة – تجسيد الأيديولوجيا على الأرض

 

سد النهضة ليس مجرد مشروع تنموي كهربائي بل هو في حقيقته تطبيق عملي لكل ما سبق كقنبلة جيوسياسية تؤكد النمط العدائي والالتفاف على القانون الدولي وفق استراتيجية الخداع حيث حوَّلت إثيوبيا النقاش من (هل يحق لها بناء السد) ؟ إلى (كيف نتفاوض حول الملء والتشغيل)؟ هذه المناورة نموذج مصغر للاستراتيجية الإثيوبية في فرض أمر واقع وفق مخطط استراتيجي ثم التفاوض من موقع قوة ثم الالتفاف على الالتزامات.

 

 

ويتواصل النمط المتكرر في استغلال حرب أبريل 2023 كحرب تفكيك دولة واستهداف وجودها وكيانها وإثيوبيا وفاء لنمطها التاريخي تستغلها خير استغلال فهي تستضيف (معسكرات لتدريب ) آلاف المقاتلين لقوات المليشيا وتساعد في شن هجمات منسقة وتسمح بانطلاق طائرات مسيرة من أراضيها لضرب مدن السودان وتمارس دبلوماسية خادعة لتحويل السودان الي ساحة نفوذ وورقة ضغط تستخدمها في المنطقة

 

من (أكسوم )إلى (مروي) إلى (القلابات) إلى (أديس أبابا) الخيط واحد: شريك يتربص، ينتظر لحظة الضعف ليفترس من كان يقف بجانبه مقولة “البحر الأحمر حد طبيعي لإثيوبيا” ليست شعاراً عاطفياً، بل رأس حربة أيديولوجية توسعية. إنها استراتيجية الخداع ذاتها التي أعادت إنتاجها إثيوبيا في العصر الحديث.

 

ولن يأتي تغيير هذا النمط بقناعة إثيوبية، ولا بالانتظار السلبي، بل باستراتيجية ردع قوية. فالتاريخ يعيد نفسه ليس لأن الإنسان لا يتعلم، بل لأن السودان لم يبنِ بعد استراتيجية فاعلة تتصدى للخداع الاستراتيجي الإثيوبي، وتفكك عقيدة (الحد الطبيعي) من جذورها، وتستبدل ردود الأفعال المتأخرة بمخططات استباقية تحمي السيادة قبل أن تنتهك.

إن إدراك طبيعة الفخ هو أول خطوة لتجنب الوقوع فيه، لكن الخطوة الحاسمة تبقى بناء دولة قادرة على ردع الجار الطامع، وصياغة استراتيجية طويلة المدى تعيد توازن القوى، وتجعل السودان، أخيراً، طرفاً فاعلاً لا ورقة ضغط في أيدي الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى