
بقلم: هجو أحمد محمد
من المفارقات اللافتة للانتباه أن إثيوبيا شرعت منذ زمن طويل في بناء وتجهيز قوة بحرية رغم أنها دولة( حبيسة) بلا شواطئ منذ عام 1993 في دلالة بالغة الأهمية على نية إثيوبيا للقيام بدور إقليمي متقدم كأداة للنفوذ الغربي في طموح يتناقض مع (الجغرافيا) ويكشف عن نوايا واضحة تتجاوز المصالح الوطنية فإثيوبيا لا تملك اليوم أسطولاً بحرياً يذكر سوى زوارق دورية صغيرة في بحيرة تانا لكنها مضت قدماً في إنشاء مقر للقيادة البحرية ومركز تدريب في أديس أبابا وكلية بحرية في بحر دار والأخطر أنها وقّعت اتفاقاً لاستئجار 20 كيلومتراً من ساحل (بربرة) في (صوماليلاند) لمدة 50 عاماً بمساعدة إماراتية في محاولة لتجاوز عزلتها الجغرافية هذه الخطوات تمثل تمهيداً صريحاً للقيام بمهمة جيوسياسية كبرى ولعب دور فعال في تنفيذ الأجندات الدولية في منطقة القرن الأفريقي لتكون الذراع العسكري والبحري للمحور الغربي-الإماراتي-الإسرائيلي في واحدة من أكثر المناطق سخونة في العالم.
هذه المفارقات تتجلى في خضم التحولات الإقليمية والدولية الكبرى التي يشهدها العالم وتحديداً في المنطقة الأفريقية المطلة على البحر الأحمر فمع تصاعد التنافس الدولي على الممرات المائية الحيوية ومصادر الطاقة وطرق التجارة لم تعد إثيوبيا مجرد دولة تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية بل تحولت إلى الحليف الأقوى والأكثر استجابة للأجندات الغربية والإسرائيلية بقاطرة إماراتيةوصارت الأداة الأكثر تأثيراً في تمرير الأجندات الإقليمية والدولية داخل منطقة القرن الأفريقي.
إن منطقة البحر الأحمر وبحر العرب، وبخاصة مضيق باب المندب الذي يعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية ونقل الطاقة، تشكل اليوم أزمة حقيقية ومتفاقمة للحلف الغربي والإسرائيلي مع تصاعد التوترات واشتعال الحروب خاصة عمليات الحوثيين في اليمن ضد السفن المرتبطة بإسرائيل والغرب وتعطيل الملاحة في أحد أهم الممرات المائية وبات واضحاً أن النموذج الأمني القائم لم يعد قادراً على حماية المصالح الغربية-الإسرائيلية مما دفع إلى نتيجة حتمية بإعادة هندسة القرن الأفريقي برؤية جديدة تقوم على تعزيز دور الحلفاء والوكلاء على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر لتقديم بدائل استراتيجية لتأمين الممرات المائية وتشكيل ثقل بري وجوي يمارس الضغط على الأطراف الإقليمية. ومن هنا يأتي الدور المحوري الذي تلعبه إثيوبيا.
ويُعد قرار رفع الحظر عن توريد الأسلحة الأمريكية إلى إثيوبيا والذي تزامن مع تهديدات أمنية داخلية وتوترات حدودية مؤشراً واضحاً على دعم عملي لتعزيز القدرات العسكرية لأديس أبابا. يمكن قراءته كخطوة ممنهجة لتمكين إثيوبيا من لعب دور إقليمي أكثر حزماً خاصة في ظل سعيها لتأمين حدودها والضغط على جيرانها. فالتوقيت تحديداً يعكس تنسيقاً مع حلفاء إقليميين يرون في إثيوبيا ركيزة أمنية لحماية مصالحهم.
وعلى الرغم من التحالف السابق بين الإمارات وإريتريا، والذي تمثل في تأجير ميناء عصب وإنشاء قاعدة عسكرية إماراتية، وما حدث بعدها من تحول إريتري دراماتيكي للتخلص من النفوذ الإماراتي، فقد قاد ذلك إلى إعادة تموضع جعل من إثيوبيا حليفاً أكثر فعالية وقدرة على تنفيذ الأجندات الغربية
يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (صوماليلاند) خطوة نوعية أخرى في استراتيجية المحور الغربي فالاعتراف الذي لم تقدم عليه أي دولة أخرى يخدم إثيوبيا بشكل مباشر ويمنحها غطاء دبلوماسياً لتعزيز وجودها الاقتصادي والعسكري في منطقة بربرة الاستراتيجية كما يمنح إسرائيل موطئ قدم إضافي في البحر الأحمر هذا التنسيق الثلاثي (إثيوبيا – إسرائيل – صوماليلاند) يكشف عن أبعاد خطيرة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للقرن الأفريقي.
من ناحية أخرى فإن الخلاف المفتوح بين إثيوبيا ودول الجوار (خصوصاً الصومال ومصر وإريتريا) حول حقها في الحصول على منفذ بحري لم يعد مجرد نزاع ثنائي تقليدي فقد بلغ السعي الإثيوبي ذروته باتفاق مذكرة التفاهم المثير للجدل مع (صوماليلاند) في يناير 2024 بدعم صريح من قبل المحور الغربي-الإماراتي-الإسرائيلي كأداة للضغط على الصومال ومصر لاحتواء التحالفات المعادية في ظل الصمت الدولي .
كذلك تعتبر أخطر المؤشرات على تحول إثيوبيا إلى أداة تنفيذية للمحور الغربي الإماراتي هو فتح معسكرات على أراضيها لمليشيا الدعم السريع المتمردة، مع استخدام مسيرات إماراتية لاستهداف مطار الخرطوم وأهداف أخرى في السودان هذا التطور الذي وثقته تقارير متعددة يكشف عن تحول إثيوبيا إلى منصة انطلاق للعمليات العسكرية العابرة للحدود ويمثل تدخلاً ميدانياً مباشراً يخدم استراتيجية المحور في استهداف السودان.
يتبين مما سبق أن إثيوبيا لم تعد مجرد أداة نفوذ عادي في المنطقة بل تحولت إلى الذراع الإقليمية الأكثر فعالية لتنفيذ الأجندات وهنا يأتي جوهر (إعادة الهندسة) المطلوبة: تحويل إثيوبيا إلى قاعدة خلفية متكاملة – سياسياً، عسكرياً، بحرياً، ولوجستياً – قادرة على تعويض أي خلل في السيطرة على الممرات المائية وفي الوقت نفسه احتواء أي تهديدات داخلية أو إقليمية ولكن المفارقة اللافتة أن الدولة (الحبيسة) تتحول إلى قوة( بحرية) وهو ما يختزل الاستراتيجية الجديدة بأكملها: تجاوز القيود الجغرافية بغطاء سياسي ودعم لوجستي من حلفاء أقوياء لخدمة أجندات تمتد إلى ما وراء القرن الأفريقي .
هذا المشهد الجيوسياسي المتغير يفرض على جميع الدول المعنية وخصوصاً دول الجوار المباشر لإثيوبيا بناء قراءة استباقية عميقة تتجاوز ردود الفعل اللحظية إلى استشراف المسارات المستقبلية و مخاطر انزلاق المنطقة إلى فوضى إقليمية مفتوحة تعيد إنتاج الصراعات وتعمق التدخلات الخارجية.