مقالات

اونسة

محمد حامد جمعة يكتب 

 

التجوال والتطواف اثناء سنوات الحرب . وربما للان حيث اتأهب للهبوط بحي وسكن جديد . هذا التجوال . فتح اعيني على ملاحظات في خصائص هذا الشعب ومجتمعاته وفئاته . بشكل لم يكن ليتاح لي في الظروف المعتادة . ظرف الحرب وطارئاتها انتج واقع عرض الناس لذواتهم بلا رتوش او تجميل . اذ رد الكل الى الحالة العادية . ونسختهم الاصلية . فعرفت بناء على هذا الذهب الاصلي فيهم من المصطنع . وهذا مبحث كبير وممتد . عامر بالحكايات والوقائع .

وقد عشت في (الحتانة) وبطبيعة الحال امتدت صلاتي الى كرري وامدرمان وهي موصولة بالاساس . ثم فرضت معطيات للتقارب بعضها بالجوار والسكن مثلما حدث لي مع استاذنا الرشيد بدوي عبيد والفنان الراحل مجذوب اونسة وبعضها بالتواصل مثلما حدث مع (مغربي) نجم الموردة والكابتن عادل امين والفنان الانسان الطيب شعراوي او الدكتور فيصل احمد سعد والفنان الامين البنا وقبلهم الدكتور الفنان عبد القادر سالم وكابتن محمود جبارة السادة وقبلهم الشهيد مولانا (احمد) امام مسجد الختمية بامبدة الرابعة وعشرات عشرات من الرجال والنساء

2

غالب اولئك الأعلام من الناس . تعرفت عليهم في حالتهم (الإعتيادية) بعيد عن هالة الذيوع والنجومية . فماذا وجدت . وجدت انهم جميعا يستحقون تلك المقامات التي بلغوها في وجدان السودانيين . تواضع وهمة في خدمة الناس . عطاء وجهد ربما يكون غير منظور في إشاعة الامل ودعم التماسك . جهد لا يقل عن مجمل جهد من يصنعون الانتصارات ويمضون بالبلاد عبورا . كان الطيب شعراوي بسمت (عباس) يصنع الابتسامة ويعيد للجميع بعض ذائقة ايامهم الجميلة وهو يعبر شارع الوادي . وعبد القادر سالم لا يحضر مجلسا دون ان يحادثهم عن التراث وميزات فنون بلدهم و(مغربي) بتلك الساق المعوجة التي لطالما هزت المدرجات يسعى طوال النهار بخير وعون وسند . مثله مثل عثمان الجندي في التكايا _ عثمان هذا قصة _ او سوهندا عبد الوهاب رفيقته بتوازي المسارات . ولن اسقط في هذا الاطباء والطبيبات . واذكر فيما اذكر يوما في مستشفى (النو) وحمم الدانات تسقط (طبيبة) تتلفت بغير جزع تطلب نقل جريح وتقف على راس مفزوع . وعاملة (فراشة) كان همها ان تميط اوشام الدم المدعم بالشظايا . ان اهتمت بنفسها فيكون ذلك لتضع على تاج راسها سواقط ثوبها . او تطلب خرقة اخرى لتواصل المسح .

3

الراحل مجذوب اونسة . بلا صفة فنان او نجم كان من ذات الصف . يمشى بين الناس عليه تلك الابتسامة الوسيمة المطبوعة على وجنتيه قبل شفته . حيثما ما مر صنع حالة من اللطف والود . يلبي ملحاح الرجاء ان يرتجز لمن حوله عزيز انت يا وطني رغم قساوة المحن . كلما غناها اكتسى وجهه عرفانا واضحا لمن هم في الخلد شهداء فتدمع عيناه . كان حيثما حل كأنما ينبت في الناس ذكرياتهم الجميلة . فعلها في (الديم) حينما شارك في حفل ذكرى المرحوم عمر عبده وفرقة جاز الديوم . اتى يومها في كامل اناقته . والزمان (عصرية) فضجت الساحة بالبهاء . نهض رجل مسن يقاوم اوجاع السنين . لاول مرة ادرك معنى تهلل الوجه معني ومشاهدة . صاح المسن يا مجذوب هل تذكر ليلة عرسي في ديم القنا ! وجلس الصائح يبكي وطلب منه عددا من الاغنيات غناها اونسة بذات التهلل . ثم هبط يجول بين الناس يمازح هذا ويعانق ذاك . اظن انه تأثر بشكل كبير لدرجة ان الحديث غالبه فانزوى الى ركن بعيد يقول لي هذه البلاد ستقوى بهذا الحب والتماسك . وحتى في ذاك الركن لاحقه الناس (تقالده) عجوز وتطلب صبية صورة معه ويقسم عليه ثالث ان يعودهم لاكرامه

4

ربما قرا الناس نعي مؤسسات لمجذوب اونسة . كيانات وواجهات لكني على ثقة ان اعظم المراثي له مكتومة الان بين شهقة ودمعة . وفيض ترحمات ارسلت بظهر الغيب . لرجل احيا الفن الاصيل واقامه بتعابير عالية واداء رفيع مسؤول وكلم رصين ولحن حينما يذاع يرد الجميع الى امكنة وفصول وارواح فوق الارض وتحتها . بعضها بعيد لا يطال وبعضها قريب بعدت به الشقة . رحم الله الفنان محذوب اونسة . عاش بين الناس وفيهم . سبق بخيرات وبر وعفة يد ولسان وصدقات سماحة لا تزول .

فإستوفى معنى ان يكون الفنان انسانا وقيمة ورسالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى