كثيراً ما ننظر إلى الدول المتقدمة مثل ألمانيا وغيرها من الدول الصناعية الكبرى بإعجاب لما وصلت إليه من تقدم في الاقتصاد والصناعة والتعليم والإدارة لكن السؤال الأهم: هل سر تفوق هذه الدول يكمن في الموارد وحدها أم في منظومة القيم التي تحكم سلوك الأفراد والمؤسسات؟
المتأمل في تعاليم الإسلام يجد أن كثيراً من أسباب النجاح الحضاري التي تتحدث عنها النظريات الحديثة قد سبق إليها الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من صفات تؤدي إلى انهيار المجتمعات وفقدان الثقة بين الناس فقال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان” (متفق عليه).
الكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة معاول هدم للأمم. فعندما يفقد الناس الثقة في بعضهم البعض تتعطل المعاملات وتضعف المؤسسات، وتنهار العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وفي المقابل فإن الصدق والوفاء بالوعد والأمانة تمثل الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات المزدهرة.
لو التزم كل فرد منا بالصدق في قوله، والوفاء بعهده، وأداء الأمانة في عمله ومسؤوليته لأصبحت مجتمعاتنا أكثر قوة واستقراراً. ولو عمل كل إنسان في المجال الذي يتقنه ويعرفه بعيداً عن المجاملة والمحسوبية والادعا لارتفع مستوى الأداء والإنتاج والإبداع فالتخصص والإتقان من أهم أسباب التقدم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.
الدول تنهض عندما يؤدي العامل عمله بإخلاص والمعلم رسالته بأمانة والطبيب مهنته بضمير والمسؤول واجبه بعدل ونزاهة. فالأمم العظيمة هي في حقيقتها مجموع أفراد عظماء في أخلاقهم وسلوكهم والتزامهم.
ومع ذلك فإن المؤمن يعلم أن الأسباب وحدها لا تكفي وأن القوة الحقيقية بيد الله سبحانه وتعالى. فمهما بلغت قدرات البشر فإنها تبقى محدودة أمام قدرة الخالق عز وجل. ولذلك يجمع المسلم بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله مستحضراً قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”
مستقبل أمتنا لا يتوقف على ما نملكه من موارد فقط نحن نملك من الموارد ما لم تسعنى هذه العجاله على زكريا وأيضا نملك قيم. فإذا صدقنا في أقوالنا ووفينا بوعودنا وأدينا الأمانات إلى أهلها ووضعنا الرجل المناسب في المكان المناسب وأحسنا التوكل على الله فلن يكون مستحيلاً أن ننافس أعظم الدول بل ربما نتفوق عليها لأننا نملك منظومة أخلاقية وإيمانية تجمع بين صلاح الدنيا والفوز بالآخرة.
طريق النهضة يبدأ من الفرد ومن كلمة صادقة ووعد موفى وأمانة مؤداة وعمل متقن وقلب مؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو القادر على كل شيء.
ولأن الحقيقة سنا سنكتب
حفظكم الله ورعاكم