
لغناء السوداني الحديث الخصوصية الجمالية في الشكل والإتجاهات
إبراهيم عوض النموذج الأعلى
الدكتور فضل الله أحمد عبدالله
الغناء الممتدد خلال كل الأزمان ، وفي جميع اللغات إنما يعبر عن الإنسان ، ومطلب الكرامة في الحياة .
الغناء كتابة نشيد ، والكتابة عمر ، يموت المغني ويبقى النشيد ..
والغناء ، روح مبدع ينشد ما هو جليل وجميل للإنسانية ، يعجن معاني الفضائل لحونا وينثرها كيفما شاء له ، ببراحت نداوة صوته وصلادة حنجرته .
ولا غناء ، في وجودنا إلا وبه قبس من الكلمات ، أو روح من الشعر منظوما ، مرويا .
إذن ، فكل مغني ، هو راوية كلام . وكل راوية كلام مبدع هو بالطبع ، إمتداد لآخر سالف من المبدعين في زمن ما . فما ” طاغور المغني ” إلا وفي روحهه ” عمر الخيام ” و ” الحلاج ” أجمل ما تراه مكملا لجنون ” قيس ” .
وإذا ما ذقت غناء ” لوركا ” في مساءات ” عطيل ” ودم ” ابن العبد ” في الشك المذوب في كؤوس ” أبي نواس ” ، فلماذا الفصل بين الموج في بحر المرايا ؟ .
هكذا تساءل صاحب الملحمة الشعرية ” مملكة الخبز والورد ” الشاعر ” جوزف حرب ” في داخل نفسه ، وأجاب في آن واحد :
إنما الأشياء تمشي
وهي تحمل شعرها لا قبرها …
فالإنسانية منذ أن وجدت وبكل أفرادها ، كل واحد يتطلع إلى هدف واحد :
الحرية ، حرية الحب ، كحرية الخبز ، كحرية الكلام ، كحرية الثقافة ..
وقال :
ورفعنا كل جراح العالم كان يسيل على أذرعنا منها دمنا الواحد ،
سرنا نحوك كانت متشابهة كل الأقدام وكل الطرقات .
جمعنا كل لغات الأرض فكانت لغة واحدة ،
ورأيناك بأعيننا فوجدناها واحدة .
والحرية أنى كانت لا تطلب غير جناحين .
ولا فارق بين البلبل والبلبل في قفصين .
بيد أنه ، ليس من ضحى لكي يصبح قديس سماء ،
مثل من ضحى ، لكي يصبح قديس تراب .
وذلك هو ما يصنع الفارق بين الأثنين ، أو حالات الإستثاء بين الناس في كل ضرب من ضروب الحياة المختلفة .
وخوفي من بقاء الأرض أن يكون مستنقع قبح ، هو من علق قلبي مثل قنديل لمن يأتون من بعدي .
ويقول :
يا أيها القلم المروى بالنبوءة والأغاني ،
كيف نختار الوسام على البنفسج ؟
كيف نبني معبدا ونخون قديسا ؟
وأي فم يفضل أن يكون البوق لا المزمار ؟
يا قارئي ، ما أجمل تقصي آثار أصوات المغنين والشعراء ، الذين إلتمسوا ذلك المعنى حقا ، واتكأ كل واحد منهم على كتف سابقه ، واقتربوا إلينا في حاضر الزمان عيانا بيانا .
والسودان ، مثله ، مثل كل بلد ، توامضت ، ولا تزال ، تتوامض في فضاءاته ، نجوم الغناء والتطريب الموسيقي ، شهب ، ونيازك .
وتتلامع بروق باهرة الضوء .
ومن بين مجموع النجوم المتعددة ، دائما هناك من يتخذ خصوصيته الجمالية في الشكل واتجاهات المسير ..
والنموذج الأعلى الذي نشير إليه في مقالنا هذا ، متماثلا وذلك المعنى في السودان هو : الفنان الذري ، الراحل ” إبراهيم عوض ” رحمه الله وغفر له .
هو الفنان المطرب الذي أكتنزه تاريخ الفن السوداني الحديث ، والتمع شارة عليا ، بخصوصيته كفنان أستحوذ بغنائياته المترفة على مشهديات فعاليات جيله ، والأجيال التالية له ، وأمتحهم من رؤاه الجمالية ، وكدحه الفني الباذخ المترف ، ساعيا بالغناء إلى أفياء وظلال تستريح عندها أنفس الناس ، وتستجم من وعثاء والحياة وكدر الأشياء فيها .
قلت في مقالات سابقة ولا أزال أقول عنه مطرب ، حواف كلماته اللجين ، وعمق صوته الذهب . كأن في حنجرته أكتشف شعر الغناء ، وبين تموجات إيقاعات تطريبه كتبت أيادي الشعراء .
في صوته تفتت الحروف والموسيقى ، تصهل ، وتضيئ عارية كالحقيقة ، وتتباين مستويات الصوت عنده وكأنها تواريخ الناس ، وتضاريس جغرافيا البلد وسهوبه .
فإن كانت ” اليوفوريا ” أو النشوة الموسيقية ، في معناها الأعلى ، هى قدرة الإنسان على رؤية الصوت ، يمكنني القول ، أن هذا ما يفعله صوت المطرب الفنان ” إبراهيم عوض” لحنا وأداء .
فالإشراق أو الإشعاع أو التألق هي الصفات التي تميز النسيج اللفظي ، واللحني ، والأدائي عند ” إبراهيم عوض ” الفنان الذي ظل على مدى خمسة عقود ونيف من عمره – منذ أن بدأ الغناء – إلى تاريخ رحيله ، ما صعد مسرح الغناء ، إلا وكان أداءه ، مصدرا لارتفاع درجات حلاوة مزاج الجمهور وانتشاءها .
فملكة الأداء الغنائي عند إبراهيم عوض تنبع من شخصية محكمة المزاج ، وطبع عريق في الغناء ، وإحساس بألوان الكلمات ، ومذاقها ، ووقعها ، ورنينها وصمتها ، وصلابتها ، ونعومتها .
أسلوب مؤنس في جماله ، مشوق في سلاسته وجزالته .
ما اعتراه إهتزاز في مسرح الأداء يوما قط ، ولا طرأ عليه وهن .
إستمع إلى أي أغنية من مجموع أغنياته المنجزة ، ثم إنتقل إلى أغنية أخرى ، وهكذا تنقل بين أغنياته أغنية ، أغنية ، بلا تخطيط ، تجد ” إبراهيم عوض ” ذاته ، في رواء حنجرته ، وبهائه ونضارته وحنانه وعطائه وإيحاءاته ، يرتل ، ينشد ، يناجي ، لا يتلعثم ولا يتلكأ .
تجد مفردات القصيدة ، والتعبيرات الموسيقية بكل تفاصيل تنغيمات إيقاعاتها وأخيلة الصور كلها مبثوثة في مستويات صوته بتلويناته وتكويناته المتعددة .
الجدير بالذكر في مثالنا هنا ، أن إبراهيم عوض ، أنه دخل لأول مرة ، رافعا صوته صادحا بالغناء في مؤسسة الدولة الرسمية المختصة بإجازة ممارسة ومزاولة الغناء ، في العام 1951م وهو شاب عشريني العمر وقتئذ .
فوقف أمام لجنة إجازة الغناء ، واللجنة يرأسها ، الأستاذ ” متولي عيد ” المراقب العام للإذاعة السودانية .
غنى ” إبراهيم عوض ” ثلاثة أغنيات خصه بها – كلمات وغناء – الشاعر الملحن ” عبدالرحمن الريح ” .. ويا لبهجة الحضور ، واللجنة به ، فغنى الفتى الغض حتى تراءى لهم أن جمال السودان وأهله ينبثقان من حنجرته ،
فللصوت رنين كما العرفان والجلال ، صوت أعجز معازف الرياح ،
هطول رحيم ، زخات تغسل الأرواح ، أو نبع للسقيا والتطهر .
وهو يؤدي بأناة يبعث النضارة في قلوب المستمعين له ، وفي حركة تطبعه بطابع الجدة والسعي والإبتكار .
الوقار هو ؟ نعم .
الصلاح هو ؟ نعم .
الخشوع هو ؟ نعم .
ويعلو صوته بنشيد للحب والجمال من كلمات وألحان ” عبدالرحمن الريح :
” أحكي ألم الفراق
وأشكي لمين أنا
يوم الحبيب ودعني راح
ضاعف علي ألم الجراح
كان لي أمل أجد انشراح
وأجد مع المحبوب صلاح
كانت دموع عيني تسيل
كلما أشوف وجه الجميل ”
وجاء ” إبراهيم عوض ” مغايرا على ما هو سائد في الممارسة الفنية الغنائية السودانية ، وأصبح من القائدين للتحولات الكبري .
ولم يمشي في إتجاهات المعاصرة والتجديد ولم يقبل بقيودها بل دخل في وسط وسط دائرة الحداثة ، فكرة ، وابتكارا ، حفرا ، وبحثا عن النضار .
فعندما إختار المغني ” إبراهيم عوض ” أن يبدأ رويه الإنشادي للجمال ، فقد إختار من نسج أحلام وتصورات ” عبدالرحمن الريح ” وهو الشاعر الوافر الأخيلة والذوق والحس الجمالي والأخلاقي .
يكتب بلغة نابضة بأعراس الخيال والطبيعة . ويلحن ما كتبه بطمأنيمة مدهشة وكأنه يكتب ويلحن للكون بتمامه .
” يا روحي ما هذا الصدود
أنا دمعي جاري على الخدود
لو كان قليل خليك ودود
فرض الدلال فات الحدود
أنا يا حبيب عاشق أسير
أعتز بيك وأهواك كتير
لو كنت لغيرك سمير
مولانا عارف الفي الضمير ”
هي مناجاة ، ومناجاة ، سليمة معافاة مترفعة :
” أنا يا ملاك الروح محال
أنساك ولو هجراني طال
لو أبعدك عني الدلال
لابد من يوم الوصال ”
هي حوارية الذات مع نفسها ، مشبوبة بالتوق والفرح ، أجمل سمات شاعرية ” عبدالرحمن الريح ” يتغنها المطرب الفنان ” إبراهيم عوض ” ..
الكلمة واللحن يصفوان كليلة الوصل في حنجرته ، فيرق الأداء عنده بالوجد الشفيف كإطلالة الندى وبوح الأنسام في الدوح .
ثم يتابع سيره صاعدا شاهقا ، ليعطي الغناء من روحه ، ثم يصغي إلى أجراس وترانيم الشاعر ” إبراهيم الرشيد ” والملحن ” عبداللطيف خضر ” ..
ويتدفق ” إبراهيم عوض ” في ترجمة أخري للنص واللحن معا ويجترح المعاني الجديدة في فعل هو أشبه بالنحات حين يغرس أزميله في الصخر :
” إنت غرامي عارفه غرام محراب وراهب
غرام اخترته مذهب من اسمى المذاهب
ينور لي طريقي ويفتح لي مواهب
أشوف أملي في جزيره وحبك لي قارب
لو حنيت لقربي أو جافيت مزاري
لو فارقت دربي هواك في دماي جاري
يكبر ويبقى قصه أحكيها لصغاري
نعيش ونموت عليها ويقولوا غرام مثالي ”
وحدة رمزية متكاملة ترمز إلى حياة إنسان ، فنان واع لعالمه ولرسالته في بلده .
” إبراهيم عوض ” فنان ناشد للرومانسية والواقعية في آن واحد ، وبهذا لا نجد له شبيها في المكان والزمان ، فهو مغنى في أسلوب أداءه ، ومحتوى غناءه ، لا يعيد إنتاج واقع سبق وجوده – وإن كان أمتداد للتاريخ – بحيث يمكننا التعرف عليه ، فهو يبتكر طرائقا في منهج الأداء له نسق مستقل يعين المتلقي على فهم الكلمات ، كلمة ، كلمة ، وفك شفرات الأبنية الرمزية في الروي الشعري، المذوب في اللحن ، والمخبوء في تموجات وتلوينات مستويات الصوت المتآزر مع حركات الجسد ، ليقدم شكلا غنائي ذا مغذى جمالي .
والشاهد أن ” إبراهيم عوض ” شديد العناية بالجمال في كل شيء ، لا يقف أمام الجمهور إلا بجميل الأزياء ، المتجلية الأناقة ، وفي انسجام باهر وتام مع الذوق العام ، محققا الإشراق في مظهره أولا ، وفي جوهر غنائه ثانيا .
وبهذا يمثل ” إبراهيم عوض ” النموذج الأعلى للفنان الذي يقدم فنه ليترك أثرا وراءه يدل عليه .
متحركا بجميع العناصر المكونة للفنان ، وأولها نبل المقصد ، ومثالها شخصية الفنان نفسه ومظهره أمام كتلته الإجتماعية والمزاج الجمعي ، أضف إليه محتوى المنتج الفني وموضوعيته ، كلها تتواشج وتتآزر لتشكل كلا موحدا متلاحما متحركا متطورا .
وبتناغم تلك العناصر مع معطيات المخيلة أصبح ” إبراهيم عوض ” مثل بقعة الضوء في فضاء أسود .
ويمشي صاعدا إلى مفردات أخرى ، محاولا القبض على علو الفكرة ، ويتوكأ تارة أخرى ، بهاء ورونق كلمات محجوب سراج :
” ليه بتسأل عني تاني بعد ما شلت الأماني .
رحت خليتني لزماني إنت عارفه عليا جاني .
لو بتفتكر الليالي تداوي غلبي
وتاني ترجع الأفراح لقلبي
إنت واهم يا حبيبي ”
بتلك الحوارية وبخشونتها الحميمة يؤسس ” إبراهيم عوض ” عيون غنائيات تعانق أنفاس الجمهور وجدا وشوقا وصبابة ،
كما عنده تتشكل الآهة وهي حرّى وتخرج منه فياضة بالنزف والشجو والأحزان ، لكنه الحزن الذي يمنح المتلقي شيئا من السكينة والتوهج ، مثلا عندما يقول :
” حاول مره وأكتر من مره يرميني
بالنظرات الجارحه وبالهجر البكويني
أمشي واسأل عنه يتحاشى يلاقيني
يظالم يا جاير لو تدري الحقيقه
الوان من عذابك ما بقدر أطيقه
زيدني عذاب وانساك أنا لو عارف طريقه ”
فالشجن لازمة الغناء عند إبراهيم عوض بيد أن الشجن ينبع من عيون إغنياته سلسبيلا من الفرح النادر نظل نظمأ دائما إلى رياه ،
وأواه يا قارئي ، حينما يمنح ” الذري ” الكلمة و اللحن شيئا من حشاشة حناياه ويستاف في صوته المترف النغم ويرف هائما مجنحا :
” يا قلبي دايما تبكي ودايما عليك تتألم
إنت السعيت لنارك ليه تشكي ليه تتظلم
” يا قلبي مهما تندم
خليك أسير آلامك
وانا في العذاب خليني ”
وليس هناك أوضح من ذلك في التعبير عن حوارية الذات للذات ، أو الذات مع ذاتها ،
والفنان الذري إبراهيم عوض في تقديري إستطاع أن يحفر ويحفر بعيدا ليضع وشما خاصا ومميزا في تضاريس جغرافيا أدائية الغناء في السودان ، وليس ذلك فحسب ، بل أنه ، أوجد العوالم الغنائية المنفلتة من دائرة التقليد في زمانه ،
وبهذا أعطانا إغنيات مثل حفيف الأجنحة وسماوات الطيور المهاجرة في مواسم البحث عن النضار .
وبهذا تميز إبراهيم عوض في الممارسة الغنائية فاصبح فوق الآنية والحدود المرحلية .
تحرك على جميع المستويات في رؤيته الإبداعية متساميا عن المألوف وفي انفصال تام عنه ، كاشفا عن علاقات ودلالات وقيم غير مسبوقة ، معرفية ، ذوقية ، وسلوكية .