
أحمد مأمون يكتب: الموضوعية والأمزجة
ثمة حقيقة إنسانية لا يمكن تجاهلها، وهي أن المزاج حالة شخصية لا تُدار بعقلين، ولا يمكن للإنسان أن يستقبل إشارات متناقضة من ذاته ومن الآخرين في الوقت نفسه. ولهذا، فإن لكل فرد الحق الكامل في أن يختار مزاجه وطريقته في التفاعل مع الحياة، بعيدًا عن أي تدخل أو وصاية من الآخرين.
فالخصوصية المزاجية جزء أصيل من خصوصية الإنسان، ومن غير المقبول اقتحامها أو محاولة تشكيلها وفق رغبات الآخرين وتصوراتهم.
وفي المقابل، تبقى بيئة العمل مساحة مختلفة تمامًا؛ إذ لا ينبغي أن تُدار بالعواطف أو الأهواء الشخصية، بل بالاحترافية والمعايير العادلة والواضحة. فالموظف أو المسؤول مطالب بأداء واجباته بما يخدم المصلحة العامة، لا بما ينسجم مع حالته المزاجية أو ميوله الخاصة.
ومن غير المنطقي، على سبيل المثال، أن نرى اللون الأحمر واضحًا ثم نُصرّ على وصفه بالأخضر فقط لأننا نحب اللون الأخضر. فالحقيقة لا تتغير وفق الرغبات، والموضوعية لا يجب أن تخضع للأمزجة.
كما أن السماح للمشاعر والانطباعات الشخصية بالتسلل إلى القرارات المهنية قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يترك أثرًا سلبيًا على المدى البعيد. فالقيم الحقيقية لا تُبنى على إرضاء العواطف والغرائز، بل على احترام الضمير والانحياز للمبادئ.
ومن هنا، يجب أن تكون لغة العقل والمنطق هي الأساس في التعاملات المهنية، منذ بداية ساعات العمل وحتى نهايتها، حفاظًا على العدالة والتوازن واحترام المسؤولية.
أما الهوايات والاهتمامات الشخصية، فهي مساحة مستقلة تمامًا في حياة الإنسان، يحق له أن يعيشها كما يشاء، وأن يمارس شغفه بحرية كاملة، ما دام قادرًا على الفصل بين حياته الخاصة ومسؤولياته العامة.
وكما يحق لك أن تحافظ على خصوصيتك ومزاجك واهتماماتك، فمن حق الآخرين أيضًا أن يعيشوا حياتهم بالطريقة التي تناسبهم، دون تدخل أو إزعاج.
وخلاصة القول:
احترموا خصوصيات الناس، ولا تفرضوا عليهم أمزجتكم أو قناعاتكم؛ فلكل إنسان عالمه الخاص الذي يختاره بنفسه.