
ما وراء الزجاج: السودان بعيون روسيا: بوابة أفريقيا بين الحاجة الروسية والحذر السوداني
بقلم : هجو احمد محمد علي
حين يصل رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إلى موسكو في السابع والعشرين من أكتوبر فإن زيارته لا تضاف إلى القمة الروسية الأفريقية الثالثة كحضور بروتوكولي فحسب بل تكشف تقاطع حاجتين متباينتين هما حاجة روسية ملحة إلى بوابة وحاجة سودانية حذرة إلى حليف ولفهم هذا المشهد من الأجدى قلب عدسة التحليل: لا أن نسأل ماذا يريد السودان من روسيا بل ماذا ترى روسيا في السودان.
من طرطوس إلى بورتسودان: البوابة البحرية
لأكثر من عقد شكل ميناء طرطوس السوري المنفذ الدافئ الأهم لروسيا ومع تآكل نفوذها هناك وجدت موسكو نفسها أمام حاجة إلى شريان بحري بديل وبرز السودان كخيار عملي وحيد و يرى المحلل العسكري فلاديمير كومييدوف أن الوقت حان لاستعادة الحضور البحري الروسي ويترجم غريغوري الباحث في أكاديمية العلوم الروسية الفكرة بوضوح أكبر: *السودان دولة مهمة في حوض البحر الأحمر وبناء مركز لوجستي بحري روسي فيها مشروع طويل المدى يعزز الوجود الروسي على الساحل الأفريقي*
لكن المسألة تتجاوز الميناء فالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يوضح أن قاعدة في بورتسودان مقترنة بقاعدة معطن السارة في ليبيا تمنح موسكو خط إمداد متكاملاً يربط البحر الأحمر بالصحراء الكبرى ويغذي فيلق أفريقيا في خمس دول داخلية غير ساحلية: مالي وبوركينا فاسو والنيجر وأفريقيا الوسطى وتشاد وبدون هذا الخط يبقى الفيلق معزولاً جوياً ومكلفاً.
بوابة المقايضه : ذهب لا يحتاج إلى سويفت
من البوابة العسكرية إلى بوابة ثانية لا تقل أهمية وهي بنك المقايضة فروسيا الخاضعة لعقوبات مصرفية تبحث عن عملة لا تمر عبر سويفت والسودان الذي ينتج أكثر من مئة طن ذهب سنوياً باحتياطي يقدر بنحو ألف وخمسمئة وخمسين طناً يقدم هذه العملة وهنا يلتقي الطرفان في معادلة يصفها مركز (ريبيل للأبحاث) بأنها مفيدة للكرملين إذ تضع موسكو في صف واحد مع طهران وأنقرة الشريكتين المعتادتين في صفقات المقايضة.
وكشفت بلومبرغ و(وول ستريت جورنال) تفاصيل هذه المعادلة ذهب وموقع استراتيجي ثابت مقابل طائرات مسيرة واستخبارات وقمح ووقود وحماية سياسية في المحافل الدولية وقد عرض السفير الروسي في الخرطوم أندريه تشيرنوفول علناً تسهيل دخول شركات روسية لإعادة تأهيل البنية التحتية والطاقة والنقل والزراعة وتطوير آليات مالية بديلة وأنظمة مدفوعات لا تعتمد على الدولار.
البوابة السياسية : ورقة الشرعية
ثم تأتي بوابة ثالثة سياسية بامتياز يقول (تشيرنوفول) إن معظم القادة الأفارقة بمن فيهم رئيس السودان الصديق سيجتمعون رغم المعارضة الغربية غير المسبوقة وتلخص هذه الجملة كيفية توظيف موسكو لمشاركة البرهان فحضوره الشخصي بعد غياب قمة 2023 حين مثله مالك عقار إثبات روسي بأن محاولة عزلها عن أفريقيا فشلت وهو أيضاً إعلان عن عقيدة جديدة في الشرعية التمسك بشرعية القيادة الحالية والرفض القاطع للمساواة بين الحكومة الوطنية والمليشيا وقد ترجمت موسكو هذا الموقف عملياً بمعارضتها في مجلس الأمن توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان.
لماذا التردد السوداني؟
إذا كانت روسيا مندفعة لأنها تدرك قيمة البوابة فلماذا يتردد السودان في فتحها كاملة؟
حين سربت وول ستريت جورنال في أكتوبر 2024 أن السودان عرض على موسكو اتفاقاً لخمس وعشرين سنة يشمل نشر ثلاثمئة جندي وأربع سفن حربية، جاء الرد الأمريكي خلال ساعات قال مسؤول في الإدارة الأمريكية إن واشنطن تشجع جميع الدول بما فيها السودان على تجنب أي تعاملات مع قطاع الدفاع الروسي لما قد يترتب عليها من عواقب خطيرة بما فيها العقوبات وإن المضي في هذه المنشأة سيزيد عزلة السودان ويعمق الصراع وحتى مسؤول عسكري سوداني اعترف للصحيفة نفسها بأن بلاده تحتاج السلاح لكن إبرام اتفاق مع روسيا قد يسبب مشكلات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
يضاف إلى ذلك غياب برلمان منتخب منذ 2021 يصادق على اتفاق سيادي طويل وتحفظات القوى الإقليمية في البحر الأحمر، خصوصاً السعودية ومصر والإمارات على تحويل الممر الدولي إلى ساحة حرب باردة. لذلك اختار السودان ما يسميه المحللون (مناورة التفاهم دون توقيع) ممتدة من عهد البشير في 2017 إلى عرض 2024 يبقي الورقة على الطاولة كأداة مساومة مع الغرب دون أن يحرقها بالتنفيذ.
خلل في المرآة: محدودية الأدوات الروسية
وهنا تصل موسكو نفسها إلى نقطة دفعتها لرفع شعار (الاقتصاد أولاً) في قمة 2026. فروسيا تدرك أن خللها بنيوي تقول (إيرينا أبراموفا) مديرة معهد الدراسات الأفريقية، بصراحة نادرة إن المستثمرين الروس حكوميين وخواص يفتقرون بشكل فادح إلى آليات مالية مناسبة وتضيف أن القمتين السابقتين كانتا أقرب إلى مهرجان قمم وتوقيع وصور جماعية بينما بقيت المصالح الاقتصادية الحقيقية سؤالاً مفتوحاً.
فبدون خطوط ائتمان وضمانات تظل التجارة مع أفريقيا كلها في حدود عشرة مليارات دولار وأفريقيا ترى الصين تبني ميناءا بينما تقدم روسيا وعداً أما أمنياً فالحليف مكلف وغير موثوق مالي وحدها دفعت أكثر من مليار دولار لفاغنر ثم فيلق أفريقيا منذ 2021، بمعدل عشرة ملايين دولار شهرياً دون أي امتياز تعدين رسمي مقابل وتقول منظمة (ذا سنتري) إن إخفاقات فاغنر في مالي يجب أن تكون تحذيراً للأنظمة بأن روسيا ليست شريكاً موثوقاً فغاراتها الوحشية غير المنسقة أثارت الفوضى وتراجعت القيادة المالية عن التعاون، وأتاحت تجنيد متطرفين جدد ولهذا شخص *مركز قراءات أفريقية في موسكو الداء بدقة: روسيا تعاني ضعف الرافعة الاقتصادية مع حاجة أفريقية إلى استثمارات سخية وغلبة النشاط العسكري تكسبها محدودية*
على حافة البحر الأحمر
في النهاية تقف المعادلة واضحة روسيا تريد السودان لأنه بوابة أفريقيا الوحيدة القابلة للتطبيق بعد طرطوس وورقة تثبت فشل عزلها وبنك مقايضة يمول توسعها بلا دولار. والسودان يريد روسيا لأنه يحتاج سلاحها و(فيتوها ) لكنه يخشى فاتورة العقوبات والعزلة ويدرك أن حليفه المقترح مكلف وغير موثوق بين اندفاعة الباحث عن بوابة وتردد الواقف على العتبة تظل زيارة البرهان إلى موسكو رقصة توازن على حافة البحر الأحمر تختبر من يملك المفتاح ومن يجرؤ على إدارته.
25 اكتوبر 2026 م




