
قراءة في تقرير صندوق النقد الدولي أكتوبر 2026 – افاق الاقتصاد العالمي .
لم يكن أحد يتوقع أن يكتب صندوق النقد الدولي هذه الجملة في تقريره عن أزمة عالمية: *(الاقتصاد الوحيد في الشرق الأوسط الذي سينمو هذا العام هو عمان وأسرع اقتصاد في شمال أفريقيا هو السودان )*
بين هاتين الجملتين تكمن قصة تحول كامل في خريطة الاقتصاد السياسي للمنطقة فأزمة هرمز لم تكن مجرد حرب صواريخ كانت اختباراً لنموذجين للبقاء نموذج يصدر من مضيق واحد ونموذج يملك منجماً ومزرعة وميناء الأول انهار بـ (-16.7%) والثاني ينهض بـ (+7%)
حين أغلق مضيق هرمز في فبراير الماضي مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية توقع كثيرون أن تكون أفريقيا أول الضحايا فالقارة التي تستورد معظم وقودها وترزح تحت أعباء ديون ثقيلة تبدو الحلقة الأضعف في أي صدمة للطاقة والغذاء لكن تقرير الصندوق الصادر في 14 أكتوبر جاء ليعكس البديهية.
فبينما ينكمش اقتصاد الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بنسبة (0.3%) وتتهاوى اقتصادات الخليج بنسب لم تشهدها منذ 1990 – الكويت (-16.7%) العراق (-16%) قطر (-15.6%) البحرين (-11.3%) الإمارات (-3.9%) السعودية (-3.3%) – تنمو أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة (4.5%) أعلى من المتوسط العالمي البالغ (3.1%) وصفها الصندوق بـ (إعادة توزيع النمو) Growth Reallocation.
*لماذا نجت أفريقيا؟*
*أولاً : الجغرافيا* (90% ) من صادرات النفط الخليجي تمر عبر هرمز بينما لا يمر عبره أكثر من (5%) من صادرات أفريقيا موانئ داكار ولاغوس وبورتسودان وجيبوتي تطل على الأطلسي والبحر الأحمر وليس على الخليج. فحين تعطلت مصافي الخليج واصلت سفن النحاس الزامبي والذهب السوداني والكاكاو الغاني إبحارها.
*ثانياً طبيعة السلعة* الأزمة رفعت النفط، لكنها رفعت أكثر أسعار الملاذات الآمنة: الذهب فوق (3500 دولار) النحاس والغذاء. أفريقيا هي المستفيد الأول لذلك يلاحظ الصندوق أن الحساب الجاري لمصدري السلع في أفريقيا سيتضاعف من (1.6%) إلى (4.4%) من الناتج.
*ثالثاً التوقيت* دخلت أفريقيا الأزمة وهي أكثر صلابة التضخم انخفض من (8% ) إلى (3.4%) والعديد من الحكومات كونت احتياطيات كان لديها وسادة امتصت الصدمة.
النتيجة أن أسرع الاقتصادات نمواً في العالم هذا العام أفريقية جنوب السودان (10.5%) إثيوبيا (9.2%) رواندا (7.4%) غينيا (7.2%) السودان (7.0%) زامبيا (5.6%) مصر (5.1%) .
*وهنا نصل إلى قلب المفارقة: السودان*
السودان من قاع الحرب إلى قمة النمو حيث يضع الصندوق السودان كأسرع اقتصاد في شمال أفريقيا بنسبة نمو (7.0%) متقدماً على مصر الرقم يبدو صادماً لدولة فقدت أكثر من (50%) من ناتجها بين (2023 و2024)
لكن الاقتصاد السياسي يفسره هذا النمو ليس توسعاً بل تعافي من قاع سحيق فعودة (30%) من مساحات القضارف وتشغيل منجمين للذهب في الشمالية وإعادة فتح خط أنابيب بورتسودان لتصدير نفط جنوب السودان كل ذلك سوف يظهر كقفزة لأنه يقاس مقارنة بسنة الصفر.
والأهم، أن السودان يمتلك اليوم ما لا يمتلكه أي اقتصاد خليجي منهار (الثلاثية الذهبية)
*الأولى الذهب* كعملة صعبة فالسودان ثالث منتج للذهب في أفريقيا بإنتاج 100-120 طن سنوياً رغم التهريب بنسب عالية في عالم يهرب فيه رأس المال من النفط إلى الذهب، كل (10 أطنان) إضافية تدخل النظام المصرفي تعني نصف مليار دولار احتياطي. التقديرات تشير إلى أن (80%( من الذهب ما زال يهرب لو استعيد نصفه فقط سيغطي عجز الميزانية ويحرر سعر الصرف دون مساعدات.
*الثانية الميناء” كبديل لهرمز فالتقرير يشير إلى أن عُمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي ستنمو (+4.1%) لأنها تملك ميناء خارج هرمز وبورتسودان يملك نفس الميزة بل أكبر. هو الممر البديل الوحيد لتصدير نفط جنوب السودان (150 ألف برميل يومياً) وإثيوبيا وتشاد. إيرادات العبور التي كانت 400 مليون دولار يمكن أن تتضاعف ثلاث مرات إذا تم تأهيل الخط وحمايته دولياً.
*الثالثة الزراعة* كسلاح جيوسياسي فالخليج الذي يخسر (16% ) من ناتجه يحتاج أن يؤمن غذاءه في ظل انشغال أوكرانيا وروسيا والهند وتقييد تصدير القمح فالسودان، بمساحة 200 مليون فدان صالحة للزراعة هو المرشح الوحيد ليكون سلة غذاء بديلة في مشروع الجزيرة وحده لو زرع (500 ألف) فدان قمح شتوي سيغطي عجز السعودية وقطر وهذه هي الفرصة الذهبية المشروطة خاصة وأن التقرير يتحدث عن آفاق الاقتصاد العالمي .
*الشرط الذي لا يكتبه الصندوق بالأرقام*
يضع الصندوق جملة واحدة في هامش توقعات السودان لكنها الأخطر: “التوقعات تفترض عدم تجدد القتال في مناطق الإنتاج الرئيسية وكلما تسارعت وتيرة العمليات العسكرية لإنهاء التمرد كلما زادت فرص افاق النمو الاقتصادي باسرع وتيرة كفرصة ذهبية
التاريخ لا يمنح الفرص الذهبية مرتين في 2008 حين قفز النفط إلى (140 دولاراً) أضاع السودان الفائض في دعم استهلاكي فعاد الفقر أسرع مما جاء النفط اليوم حين ينهار النفط الخليجي ويصعد الذهب السوداني إلى أكثر من (3500 دولار) يقف السودان أمام نفس اللحظة لكن بشروط أفضل وهي أن العالم الذي كان يرسل له الغذاء قد يحتاج أن يستورد منه الغذاء والعالم الذي كان يخشى على تجارته من هرمز قد يحتاج أن يحمي بورتسودان.
هذه ليست مبالغة رومانسية حالمة بل حسابات باردة في جدول (إكسل) في واشنطن تقول إن السودان ينمو بنسبة (+7%) و الـ (7%) ليست شهادة نجاح بل إنذار أخير إما أن نحول الذهب من تهريب إلى احتياطي والميناء من ساحة صراع إلى ممر دولي،والجزيرة والقضارف والشمالية من إغاثة إلى تصديرأو نعيد إنتاج نفس الخطأ ذهب يهرب وميناء يتعطل وأرض تبور.
تلقي المفارقة الجميلة التي كشفها تقرير صندوق النقد هي أن السودان لم يعد دولة على هامش الأزمة بل في قلب الحل والعالم يحتاج السودان الآن بقي فقط أن تحتاج أنت لنفسك عبر الإنتاج والاعمار والبناء .
24 اكتوبر 2026



