مقالات

أحمد مأمون يكتب : “مكنة النجومية” 

 

في هذا البلد، يبدو أن كثيرين يركبون شرائح لا تخصهم، ولذلك يظل إرسالهم ضعيفاً ومشوشاً. وبين ضجيج الحضور وقلة الإنجاز، أصبح من السهل أن يظن كل شخص أنه نجم، وأن يحمل في داخله مدير أعمال كامل الصلاحيات، بينما لا تزال موهبته تبحث عن أول خطوة في الطريق.

هناك من ركب “مكنة النجومية” قبل أن يملأ خزانها بالموهبة والمعرفة. مكنة تدور بلا وقود، وتصدر ضجيجاً أكثر مما تنتج حركة، لأنها تستند إلى إطارات مثقوبة لا تقوى على حملها إلى الأمام. ومع ذلك يريد صاحبها أن ينافس في الطريق السريع، وأن يصل إلى محطات العظماء قبل أن يتعلم أبجديات القيادة.

المشكلة ليست في الطموح، فذلك حق مشروع، وإنما في تجاهل قواعد الطريق. فبعض السائقين لا ينظرون إلى مراياهم الخلفية ليراجعوا حصيلتهم المعرفية، ولا يلتزمون بالإشارات التي ترشد إلى النجاح الحقيقي. يقفزون إلى الترس الرابع منذ لحظة الانطلاق، ثم يدخلون في احتكاكات جانبية وصراعات مجانية، استعجالاً لإثبات نجومية لم يمنحها لهم الجمهور بعد.

الأكثر إثارة للدهشة أن سقف الشهرة عند بعضهم قائم على أعمدة مكسورة، وأن زجاج الغرور لديهم شديد الشفافية. يتعاملون بثقة النجوم وهم لا يزالون في بدايات الطريق، ويتحدثون بلغة المشاهير بينما تجاربهم لم تكتمل بعد. مغرورون رغم أنهم ما زالوا مغمورين، ومتعالون رغم أن رصيدهم من الإنجاز لا يزال متواضعاً.

أحياناً أتساءل: كيف يقتنع الإنسان بأنه شخصية عامة يعرفها الجميع، بينما أقرب الناس إليه لا يعرفون على وجه الدقة ماذا يعمل أو ماذا يقدم؟ كيف يترسخ إحساس النجومية في ذهنه إلى هذه الدرجة، بينما لا يجد صداه حتى داخل بيته؟

أخطر ما يمكن أن يعيشه المرء هو وهم النجومية في الشارع، مصحوباً بنرجسية تكشف مقدار الفراغ داخل خزان الموهبة. فالجمهور سرعان ما يكتشف من هو المدعوم بالعطاء الحقيقي، ومن يكتفي بالضجيج والادعاء.

أما أعقل ما يمكن أن يفعله الإنسان، فهو أن يكون نجماً في بيته قبل أن يسعى لأن يكون نجماً في الشارع؛ أن يكسب احترام أسرته ومحيطه القريب بأخلاقه وتعامله وإنسانيته، قبل أن يطالب الآخرين بالتصفيق له.

 

لم يكن طريق النجومية يوماً مفروشاً بالورود، ولن يبلغ أحد القمة دون جهد وصبر وتضحيات. وكما أن الراحة ثمنها التعب، فإن التميز ثمنه العمل المستمر، والعطاء الصادق، والتواضع الذي يحفظ للنجاح قيمته.

نقطة اخيرة:

ندرة الموهبة وكثرة التشريف قد تصنع نجوماً من ورق، لكنها لا تصنع قامات حقيقية تبقى في ذاكرة الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى