أعمدة رأي

ماوراء الزجاج

من التأشيرة إلى المقر.. كيف تحول واشنطن الأمم المتحدة إلى رهينة سياسية؟

هجو احمد محمد

 

في الأيام التي تسبق انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يقاس النفوذ بعدد الكلمات التي ستلقى من على المنبر بل بعدد التأشيرات التي تمنح أو تحجب عند أبواب نيويورك آخر ضحايا هذه السياسة هو رئيس مجلس السيادة فريق اول ركن عبد الفتاح البرهان الذي وجد نفسه ممنوعا من دخول المدينة التي يُفترض أنها عاصمة الدبلوماسية العالمية.

القصة ليست معزولة بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من تآكل التزامات الدولة المضيفة.

اتفاقية على الورق

تنص اتفاقية المقر الموقعة عام 1947 بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة بعبارة لا تحتمل التأويل على منح التأشيرات لممثلي الدول الأعضاء (دون تأخير) ودون (تمييز) لكن الممارسة الأمريكية تقول عكس النص.

خلال دورة 2025 وحدها منع ما يقرب من نصف الوفد الإيراني من الوصول وفرضت قيود على حركة من سمح لهم بالدخول وصلت إلى حد تحديد مشترياتهم اليومية. صحفيون حرموا من التغطية ووفد فلسطيني كامل أُبلغ بالرفض ودبلوماسيون اضطروا للسفر إلى سويسرا وانتظار تأشيرة لم تأت أبدا.

 

الرسالة كانت واضحة التأشيرة لم تعد إجراء إداريا بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي.

 

ماذا تقول التحليلات ؟

التحليلات التي انفجرت خلال الساعات الماضية لا تنفي جوهر الاتهام بل تؤكده وإن اختلفت في تبريره.

وكالة رويترز المصدر الأصلي للقصة والذي نقلته واشنطن إكزامينر وThe National أقرت صراحة أن واشنطن تحجب تأشيرة البرهان قبل 72 ساعة من خطابه وأن إصدارها (يبدو مشروطا) بتوقيعه على هدنة (90 يوما) اقترحها (مسعد بولس) مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية ومصاد دبلوماسيه عديدة ومحلل غربي مقرب من الطرفين أكدا هذا الربط الخارجية الأمريكية التزمت الصمت ورفضت التعليق على حالة تأشيرة فردية بينما اكتفى المتحدث باسم الأمم المتحدة (ستيفان دوجاريك) بإعلان (قلق بالغ) وأن الأمانة العامة أثارت الأمر فورا مع واشنطن دون نتيجة.

التحليل الأمريكي نفسه يكشف أن الأمر ليس إجراء أمنيا معزولا بل جزء من (حزمة ضغوط) أوسع يتمثل في مقترح أمريكي (لتوسيع حظر السلاح) المفروض على دارفور ليشمل كل السودان وعقوبات فرضت على البرهان في يناير 2025 بعد أن كان الحظر العام الماضي هو تقييد حركة الوفد السوداني في دائرة (25 ميلا ) حول مقر المنظمة.

البرهان نفسه استبق الأزمة بمقال في مجلة Foreign Policy أكد فيه أنه (سيرفض أي توجيهات خارجية) وأن الهدن السابقة (لم تؤدي سوى لتمكين المليشيا وداعميها من إعادة تنظيم صفوفهم ) وبهذا واشنطن تقر ضمنيا باستخدام التأشيرة كأداة تفاوض والقاهرة والخرطوم تقرآنها كخرق فاضح لميثاق الأمم المتحدة.

 

هنا لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن توازنات الحرب خاصة وأن تقرير البعثة المستقلة لتقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة خلص إلى أن (أفرادا وكيانات يعملون انطلاقا من الإمارات أو مسجلين فيها أدوا دورا مهما في شبكات ضالعة في تجنيد متعاقدين وتمويلهم ونقلهم وفي تقديم دعم ذي طابع عسكري استفادت منه المليشيا ) .

كما أن تحقيق رويترز الاستقصائي عزز الصورة كاشفا مسارات شحن جوي تربط بين تشاد وليبيا ودارفور تديرها شركات مسجلة في الإمارات في هذا السياق يظهر دور (مسعد بولس) الذي يتولي تنفيذ الرؤية الإماراتية في ملف السودان كحلقة وصل بين ضغط المقر في نيويورك وضغط الميدان في السودان.

أمم متحدة بلا أنياب

المفارقة الأكبر هي عجز المنظمة الدولية نفسها في ديسمبر 2025 تبنت الجمعية العامة القرار 80/172 الذي عبر عن (قلق بالغ) إزاء تكرار رفض التأشيرات لكن القرار بقي حبرا على ورق ورسالة السفير السوداني الحارث إدريس إلى غوتيريش بتاريخ 21 سبتمبر حذرت بوضوح: (إذا استمر هذا الوضع فسيُمنع فعليا رئيس دولة عضو من المشاركة شخصيا في أعمال الجمعية العامة )

الأمم المتحدة التي وجدت لتحمي الدول الضعيفة من سطوة الكبار تجد نفسها رهينة لحسن نية الدولة المضيفة وحين تغيب حسن النية لا تملك سوى لغة القلق والمتابعة وعندما يمنع رؤساء دول ووفود من دخول قاعة يفترض أنها للجميع لا تعود الجمعية العامة منتدى عالميا بل مسرحا بديكور دولي وإخراج أمريكي.

23 سبتمبر 2026 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى