أعمدة رأي

إفشاء الجمال… سلاحنا لمحاربة القبح

بقلم : د.أميرة عمر بخيت 

 

في الآونة الأخيرة من عمر هذا الشعب العريق الأصيل، كثرت الآلام لما تكالبت الدنيا عليه، وكشّرت عن أنيابها، وغرزت رماحها في قلب الحياة.

نخر أرض العزة الألم، وجدبت الحقول، وماتت السنابل، ونما على صدر الناس الوجع.

بعيداً عن الحرب وأفعال السياسة المخزية، وتغاضياً عن الموت المشتت في الأصقاع، والجوع، والخوف، والمرض، ففي عهد ليس ببعيد، كنا نباهي الكون بقلوبنا ناصعة البياض، وبأفعالنا الطيبة. كنا نحتضن القمر في ليالٍ ساكنة، لا يزين سماواتها أي مظهر من مظاهر الترف أو الشاشات الإلكترونية، لكننا كنا سعداء بالحب، وجمال الروح، وطيب النفوس.

كان الأمن والاطمئنان عنوان البيت السوداني، والخُلُق العالي سيرته الذاتية، والفضيلة أرفع الدرجات الاجتماعية.

 

حتى الآداب والفنون كانت عالماً بديعاً وراقياً جداً، وكان الفعل السامي رسولنا بين العالمين.

لزمان قريب جداً، كان العيب مقصلة لفاعله، وكان القاضي قيم الأخلاق النبيلة.

أما الآن، فقد فُتحت الأبواب على العوالم الثانية. نعم، قد ملك الناس ما لم يملك آباؤهم من أسباب التمدن والحضارة والتكنولوجيا، وإن تباينت الأوضاع، لكنهم، في مقابل ذلك، قد أُفرغوا من القيم، والجمال الروحي، وملامح الحس النبيل.

تفشّى القبح، فلم نعد سعداء.

بتنا نشكو رمادية الألوان، وضبابية الأخلاق. وننعى سموّ القيم والفضيلة. انقلبت الموازين، وبات الانحطاط علامة الزمن وطابع الحياة. فهل بعد عصر الانحطاط نهضة؟

أعلم أننا لن نصنع المعجزات باستنكارنا وتذمّرنا وتباكينا على عهد جميل، ولكن لعلنا نستعيد نضارة أيامنا وعافية الزمن إذا تبنّينا مبدأ «إفشاء الجمال» كأقوى سلاح لمحاربة القبح.

لن يحارب القبح مقاتل أشرس من الجمال الأصيل بكافة أشكاله، وانعكاساته، وأبعاده الباطنية.

لن يدحر التدني في الخُلُق، والكلمة، والفعل، والذوق، إلا روح نبيلة قابعة داخل كل فرد منا، تبحث عن الحب، والخير، والوطن الدافئ الجميل.

الظواهر السيئة تُحارَب بالفعل الحسن والظواهر النبيلة.

إن أرسلوا لك تسجيلاً مليئاً بالبذاءة، فأرسل لهم تسجيلاً نابضاً بالحب، والخير، والجمال.

إن جاهروا لك بالوقاحة، فأشهر في وجوههم حسن الخُلُق، وارمِهم بزهور كعباد الشمس، أينما دار الضياء دارت.

إن أسمعوك توافه القول، فأسمعهم علماً، أو معرفة، أو فناً عظيماً راقياً، علّك تغسل ما علق بآذانهم من شوائب ودنس؛ فالثقافة والفنون الراقية تغذّي الروح، وتفعل فعل السحر والمستحيل.

إن واجهوك بالقبح، والزيف، والموازين المختلة، فازرع لهم حقلاً من الجمال الأصيل، وانصب لهم موازين الذوق الرفيع، وعلّمهم كيف تُحصد النضارة.

لا تصفقوا للجمال الزائف، ولا تمجّدوا الحديد الصدئ وفتافيت النحاس المتساقط بفعل الهشاشة.

لا تنكأوا القبيح، ولا تكثروا من تداوله، ولا تسلّموا رؤوسكم لقبضة المعاني الهشة والقيم الزائفة؛ فهي لن توصل هذه الأمة العظيمة إلا إلى الحضيض؛ حضيض الأخلاق، وحضيض الثقافة، وحضيض الفن، وحضيض الحضارة.

دعونا نواجه الإعصار. نحارب القبح بالجمال. نؤمن بأوطاننا، وننير شرايين أطفالنا بما تبقى من ضوء. نغتسل بالنيل، ونصلي في قباب الصالحين، علّنا نبطل لعنة الشر المتمدد في العوالم الجديدة.

نراهن على بقايا الخير المشتت في بعض القلوب، ونسقي نبتة الضوء في صدر كل إنسان.

 

نعلنها ثورة للصحوة وبثّ روح الخير والجمال بأشكاله المختلفة، وحلقات السلسلة متصلة ببعضها بعضاً. الالتزام الشخصي قادر على عرقلة السيل المنحدر باتجاهنا. تداول الفكر والثقافة والفن الراقي والقصص الملهمة في المواقع الاجتماعية، بدلاً من تلك المقاطع المخزية والحوارات التافهة، يهذّب الروح، ويجمّل الإحساس، ويحفّز الإنسان لمزيد من الاستنارة.

تبادل العلوم والحكايات النبيلة وتاريخ الخير يقوّم السلوك، وينبّه الذات إلى المعنى القويم.

كل منا، بمجهود ذاتي مع نفسه ثم مع من حوله، قادر على دحر هذا القبح. ومعاً نحقق نهضة إنسان هذا الوطن العزيز.

 

وأخيراً:

لن يهزم الظلام إلا النور، ولن يطفئ القبح إلا الجمال، ولن يستقيم اعوجاج الزمن إلا باستقامة الميزان، والحفاظ على ذاكرة نبيلة للوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى